غول في الطريق السيّار؟
نتساءل أحيانا إن كان وزير الأشغال العمومية عمار غول، أو غيره من المسؤولين، قد استعملوا الطريق السيّار وشاهدوا الخراب الذي وقع في الكثير من أجزائه حتى أصبح أسوأ من الطرق الولائية القديمة التي قارب سن بعضها قرنا من الزمان، ونتساءل عن الإجراءات التي يمكن لهذه الوزارة أن تتخذها ضد المتورطين في هاته الفضيحة المكشوفة، والتي تُقدم صور الإهمال على المباشر للملايين من عابري هذا الطريق السيار، الذي لم يعد طريقا ولا سيّارا، منذ أن طاله الخراب، وصار مقبرة للسيارات، وسكنه غول الحوادث الذي سيؤكد الرتبة المؤلمة التي تحتلها الجزائر في حوادث المرور عالميا، ونخلص للقول إن الوزارة إذا كانت تعلم فتلك مصيبة فعلا، وإن كانت لا تعلم فوجب علينا قراءة “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
أن نسمي مشروعا انتظره الجزائريون نصف قرن بمشروع القرن، وأن نصب فيه قرابة الأربعة عشر مليار دولار في بلد يعيش من ريع النفط فقط، وأن نربط به أقصى نقطة بالغرب الجزائري بأقصى نقطة بالشرق، وأن يكون المشروع معروضا للنظر من صاحب الدراجة الهوائية كما من صاحب سيارات الملياري سنتيم، ثم يتحوّل إلى أنقاض في كثير من أجزائه بقسنطينة وتيارت والبويرة وهو لم يُدشن بعد، فتلك حكاية أكثر رعبا من أساطير الغول الذي يخيفون به الأطفال. والذي لا ينظر تحت قديميه ولا يتقن إنجاز الطريق الذي تسير عليه السيارات والناس، لا يمكنه أن يحلم بأن ينفذ من أقطار السماوات والأرض بسلطان العلم والتاج.
لقد كان أمل الجزائريين قائما في أن يتمتعوا بطريق ينسف المسافة الشاسعة في قارتهم الجزائر، وكانوا يحلمون بأن يتحول هذا الطريق السيّار إلى مشروع الموسم وليس القرن، حتى يختصروا الوقت، فيشربوا قهوتهم في قسنطينة ويتناولوا غداءهم في العاصمة ويتعشون في وهران، وكانوا مستعدين لأن يصبروا سنة أخرى لأجل أن يتمتعوا بالرحلة الحلم بين الغزوات والقالة، رغم الوعود الكثيرة والمواعيد التي ضربتها وزارة الأشغال العمومية والتي تحدثت بعضها عن تسليم المشروع قبل ثلاث سنوات خلت، ولكنهم الآن يضعون أيديهم على قلوبهم، خشية من أن يتحوّل المشروع إلى فضيحة لا تقل في بشاعتها عن فضائح الخليفة وعاشور عبد الرحمان وسوناطراك، وهو خوف مشروع بعد أن سجلت محاور في هذا الطريق السيّار حوادث مرور، لم تكن فيها السيارة المعطوبة هي السبب، ولا السائق المتهور هو السبب، ولا الأحوال الجوية هي السبب، وإنما طريق محفر وجبلي، سميناه سيّارا فإذا به يُسيّر الناس إلى مصير مؤلم.
عندما نجح فاروق الأمة عمر بن الخطاب في تهديم “تاج” كسرى عبر معركة القادسية الخالدة، وأمّن لدولة الإسلام مكانتها من المدينة إلى بغداد، كان لا ينام خوفا من أن تعثر البغال والحمير في طرق العراق، بسبب خطإ في إصلاحها، والآن في زمن فضائح الإنجاز والنهب العام للمال العام، لا التاج نفع ولا الطريق الذي صرفت الجزائر لأجله ميزانية العشرات من بلدان القارة الإفريقية صلُح؟