الرأي

“فاسي” والكلام القاسي؟!

محمد حمادي
  • 1598
  • 4

النظرة الدونية المشفوعة بمشاعر الاحتقار التي أضحى المرضى نفسيا والمعوقين فكريا من بني البشر، يرمون بها ذوي الاحتياجات الخاصة، أبانت حجم الانحدار الذي أصاب القيم الأخلاقية في مجتمع بات يضرب أبشع الأمثلة في إلحاق الأذى بالآخرين، حتى ولو كانوا معوقين، في “سادية” مقيتة، فضحت إنسانيتنا المغشوشة، وأضحت تهدّد مظاهر التآزر والتلاحم بين أبناء البلد الواحد بالزّوال!
للأسف، انتقل الهذيان الذي أصاب بعض قادة الأحزاب المحسوبين بهتانا وزورا على السياسة، فصدحت حناجرهم بتصريحات مستفزة وغبية، حتى أصبحت علامة تجارية مسجلة باسمهم، إلى الأكاديميين، ليبصم على خرجة غريبة كانت بطلتها بدون منازع المختصة في علم الاجتماع، زهرة فاسي، التي ألحقت أذى نفسيا بشريحة ذوي الاحتياجات الخاصة، بتصريح غير مسؤول، ضرب القيم الأخلاقية والإنسانية في الصّميم، عندما وصفت هؤلاء المغلوب على أمرهم عبر قناة تلفزيونية خاصّة بـ”العالة على المجتمع”؟!
المؤلم في هذه الخرجة أنها صادرة من مختصة في علم يقوم على دراسة وفهم الظواهر السوسيولوجية، وسلوكيات الأفراد لتفسير دلالاتها؟ ألم تنهل فاسي من فكر عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، الذي ارتكزت جلّ أبحاثه على الملاحظة لمحاولة فهم المجتمع؟
كيف لم تقدها الملاحظة، وهي أداة بحث أكاديمية إلى اكتشاف الوضع البائس الذي يحياه المعاقون في هذا البلد؟
السيدة فاسي كان عليها قبل أن ترمي ذوي الاحتياجات الخاصّة بكلام جارح، أن تدافع عن حق الأطفال المعوقين في الدراسة، في ظل شحّ عدد المدارس المتخصصة، كان عليها أن تتحدث عن الممرات الخاصة بالمعوقين، وكيف يتجشمون يوميا عناء التنقل لقضاء حوائجهم، كان عليها أن تنتقد منحة الذّل والعار، التي تحوّل الظفر بها إلى محنة لدى هؤلاء المغلوب على أمرهم، الذين تجمّعت وتحالفت ضدهم الإعاقة والعوز وشتى صنوف الغبن لترمي بهم في غياهب الإحباط واليأس، ومع ذلك يُعانون في صمت، ولا يطلبون سوى من المجتمع أن يرحمهم ولا يعمّق جراحهم.
قد تقول المختصة في علم الاجتماع إنّها لم تقصد الإساءة للمعوقين، وأنها فهمت خطأ، بعد ما أثارت تصريحاتها ضجة كبيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنّ الكلام الجارح الذي تناقله روّاد “الفضاء الأزرق”، حفر أخاديد من الحزن والأسى في أفئدة ذوي الاحتياجات الخاصّة، وفتك بمعنوياتهم التي نزلت إلى الحضيض.
لكن ألا يكفي ما يلاقيه هؤلاء المهمّشون على طول الخط من عذابات على أيدي بعض المعتوهين والمنحطين أخلاقيا وإنسانيا في مراكز البريد وسائر المرافق الإدارية والهياكل الاستشفائية؟ ألم ترفرف الراية الوطنية خفاقة في المحافل العالمية بفضل تتويجات رياضيين معاقين؟
فعوض الاعتناء بشريحة المعوقين والسهر على حماية حقوقهم والرفع من معنوياتهم، بإشراكهم في الحياة العامة وتمكينهم من وظائف تناسب ووضعيتهم وتتواءم مع مؤهلاتهم المعرفية، لا يزال المعوق عندنا في الدرك الأسفل، من حيث الاهتمام، فلا منحة مالية محترمة تحفظ كرامته، ولا تسهيلات تمكنه من التوظيف.
باختصار، فإنّ المعوق هو شخص سوي حرمته الإعاقة الذهنية لكثير من البشر من أن يمارس حياته بشكل طبيعي، هو كائن مرهف الإحساس، ومبدع يحمل خزانا من المواهب وطاقة كبيرة، تؤهله لأن يتبوأ أعلى المناصب، بمستواه المعرفي وذكائه الذي تفوق على إعاقته الحركية.

مقالات ذات صلة