فال الله ولا فالكم!
الكاتب والإعلامي “الكبير” عبد الباري عطوان، قال ويقول بأنه “لو نجح التقسيم في سوريا، فإن الدور القادم على الجزائر”(..)، ويتحدث عطوان بصيغة الماضي والمستقبل، وشخصيا لم أعد إلى هذا التصريح أو التلميح، لولا أني سمعت شيخا في الشارع وهو يعلق على ترويع وتحذير عطوان بالقول: أخطونا.. ما تذكرونا لا بالشرّ ولا بالخير!
فعلا، لا أدري لماذا كلما تعلق الأمر بفأل الشرّ، يلجأ منظرون وفلاسفة إلى إقحام الجزائر في ما لا يعنيها، وأتذكـّر كيف كان الكاتب “الكبير” أيضا فهمي هويدي يستخدم وصف “الحالة الجزائرية” عندما يسألونه عن نماذج الأزمات عبر العالم، وذلك عند حديثه عن الأزمة التي كانت تواجهها الجزائر بداية التسعينيات، دون أن يسألوه عنها!
الأكيد أن هناك الكثير من المشاكل والنقائص والسلبيات، لكن الجزائريين يرفضون معالجتها بأيادي الآخرين من الأجانب، أشقاء كانوا أم أعداء، وأحيانا من باب “النيف والخسارة”، يغطي الجزائري الشمس بالغربال، عندما يشعر بأن أجنبيا حشر أنفه في ما لا يعنيه، فيسمع بالضرورة ما لا يرضيه!
الكثير من المنظرين “الكبار” ممّن بلغ به الشيب عتيّا، لا يتحدثون عن أزمات بلدانهم، وإذا تحدثوا فإنهم يُراوغون ويحتالون ويلوّنون ويتلوّنون، لكنهم عندما يُقحمون غيرهم، فإن ألسنتهم تتحرّر وأقلامهم تنتفض وتصبح سيّالة، ويصبحون يتفننون في التحليل والتنبؤ وضرب خطّ الرمل!
غابت عن هؤلاء لغة الاستشراف والتحذير من المخاطر القادمة، عندما تعلق الأمر ببلدانهم، ولم يقولوا إلا قليل القليل، وتلعثمت ألسنتهم، وأضربوا عن الكلام لفترات طويلة، ثم عادوا بعد ما اتضحت الرؤية جزئيا وانقشع بعض الضباب، فركبوا مركبة يعتقدون أنها آمنة وستوصلهم إلى برّ الآمان!
نعم، “الهدرة ساهلة”، فأغلب المحللين أصابهم الخرس عندما ضرب التسونامي بلدانهم واقتلع أصدقاءهم، بينما كانوا يثرثرون ويصبون البنزين على النار ويغذون الفتنة والقلاقل ويحرّضون الأشقاء على بعضهم البعض بالسياسة والفتاوى، عندما كان الأمر مرتبطا ببلد اسمه الجزائر!
خلال الأشهر الماضية، وأنا في بلد عربي، سمعت بالصدفة إعلاميين “كبارا” من مصر، “يتمنون” لو أن الجزائر تستفيد من “التجربة المصرية”، ولم أشعر إلا وأنا ألتفت إليهم وأقطع حديثهم وأسألهم بعفوية ونرجسية جزائرية: “أنتم من لم يستفد من التجربة الجزائرية فحدث ما حدث”.. تفاجأوا، غضبوا ثم سألوني: “حبيبي جزايري”.. نعم.. “وماذا تقصد”؟.. تجربتنا كانت قبل 25 سنة، فمن يسبق يا ترى: اللسان أم الأسنان؟.. ثم انصرفت حتى لا تنفجر “الثورة”!