فتنة فرنسية بين الجزائريين
“تصريحٌ غير مسؤول” هكذا وصف وزير الخارجية، السيد رمطان لعمامرة، التصريحات المنسوبة للسفير الفرنسي بيرنار إيمي يكون قد أدلى بها خلال “زيارة” قادته إلى ولاية تيزي وزو، جاء فيها أن ثلثي التأشيرات الممنوحة للجزائريين استفادت منها ولاية تيزي وزو، كما أن نصف الطلبة الجزائريين الوافدين من الجامعات الجزائرية بموجب عقود تعاون مع الجامعات الفرنسية جاؤوا من نفس المنطقة، وتحديدا من جامعة مولود فرعون.
ردّ وزارة الخارجية كان ديبلوماسياً إلى أقصى حدّ، حين توقف عند حدود “مسؤولية” السفير، كما توقف من قبل الرد على إهانة الوزير الأوّل الفرنسي فالس لرئيس الجمهورية عند شخص المسؤول الفرنسي، في حين كان يُفترض أن تخاطب الوزارة الدولة الفرنسية برمّتها، وتحمِّلها مسؤولية هذه الاستفزازات المتكرِّرة الصادرة عن مسؤولين فرنسيين على أعلى مستوى.
ثم إنّ وزير الخارجية لم يكذِّب فحوى تصريحات السفير الفرنسي، التي تكشف عن العبث الفرنسي المتواصل بأمن الجزائر واستقرارها ووحدتها، ومحاولة بائسة لشقّ الصف بين الجزائريين، وتصوير منطقة القبائل كمنطقة محضية لدى فرنسا، كما تكشف إغماض الدولة الجزائرية العين عن سلوك يذكِّرنا بمعالجاتِ فرنسا الاستعمارية لمنطقة القبائل، والعزف على وتر التميز بين “العرب” و”القبائل” حتى جاءت ثورة التحرير لتنسف المشروع بانخراط أهل المنطقة في ثورة التحرير بكثافة إلى جانب أشقّائهم في الوطن.
وقبل التنديد بالسلوك والتصريح، كان يُفترض بالوزير أن يسأل إدارته وزملاءه في الحكومة، وتحديدا في وزارة التعليم العالي: كيف أمكن أن تسمح الدولة الجزائرية لقوّةٍ استعمارية، بهذا التاريخ المؤسَّس على مبدأ “فرِّق تسُد” بالتمييز اليوم بين الجزائريين، ومواصلة العبث بمنطقةٍ حساسة، وكأن السفير الفرنسي إنما أراد أن يُشعل فتنة جديدة بين أبناء البلد الواحد؟ !
إذا ما صدقت تصريحاتُ السفير الفرنسي، فإنها تكشف عن فخٍّ فرنسي استعماري نُصِب منذ زمنٍ بعيد للمنطقة وللبلد، سوف يضع الحكومة أمام خيارٍ صعب، وموقفٍ حرج للغاية، سواء مع بقية الجزائريين إذا ما سكتت عن هذا التمييز الفرنسي بين الجزائريين في معاملات يُفترض أنها محكومة باتفاقيات تعاون متوافقة مع أحكام الدستور في البلدين تمنع التمييز، أو تدخل في مواجهةٍ مع سكان ولاية تيزي وزو إن هي حاولت الضغط في اتِّجاه تصحيح المعادلة.
تصريحات السفير الفرنسي تشي بما هو أخطر من مجرد التمييز، وهو إيقاع الفتنة بين أبناء البلد الواحد، وكان على الدولة أن تتحرّك بحزم لوضع حدّ لهذا الاستهتار الفرنسي عوض الاكتفاء ببيان يعتبره مجرّد “سلوكٍ غير مسؤول”.