فحص غير سريري.. أو “يبدو” التي قالها سلال!
لا تعترف العلوم الطبية بالفحص للكشف عن حالة المريض، إلا إذا كان سريريا، ولا تعترف بتقديم التشخيص إلا بعد اختبارات عيادية متبوعة باختبارات مكمّلة من تحاليل مخبرية وكشوفات بالأشعة. ومع ذلك، انقسم الجزائريون وهم يتابعون الصور المنقولة لرئيس الجمهورية، رفقة الڤايد صالح وعبد المالك سلال، بعد أن ارتدوا جميعا المآزر البيضاء، وانتحلوا صفة الأطباء، بين من كشف على الرئيس من نظرة عين على بعد آلاف الكيلومترات، واضعا إياه في خانة الأصحاء، وبين من حكم عليه بالعجز، وراح يقرأ أيضا كفّه من أعماق الجزائر، متكهنا سياسيا وطبيا بمستقبل الرئيس، الذي دخل شهره الثاني في إقامته الاستشفائية في باريس.
وإذا كان للمواطن عُذر وهو يرتدي المئزر الأبيض، ويقدم تشخيصا يحاول أن يُقنع نفسه به، فإن ما قام به بعض الوزراء ورؤساء الأحزاب، وحتى الوزير الأول في الفترة السابقة، هو الذي دفع دعاة تطبيق المادة 88 من الدستور لرفع راياتهم، وجاءت كلمة “يبدو” التي استعملها السيد عبد المالك سلال، عندما قال إن رئيس الجمهورية “يبدو” في صحّة حسنة، لتنسف كل ما قاله من قبل عن صحة الرئيس بصيغة اليقين، لأن مرادف كلمة “يبدو” في قاموس اللغة العربية، هو “ربما ولعل ويُحتمل ويُمكن وقد ويفترض”، ومن أضداد الكلمة في اللغة العربية، هي كلمات من دون أي ريبة ومؤكدا ودون شك، وفي المقابل تواصل بعض الأطراف، فحصها غير السريري، وهي تعطي صورا سوداء قاتمة عن صحة الرئيس، وتبدو غير مقتنعة بـ”تحسّن حالته”، حتى ولو دخل سباقا في العدو أمام مرآى الجميع.
ففي الوقت الذي انتقل العالم من صحافة الورق إلى التقنيات السمعية البصرية المتطورة التي لا تترك لمتابعيها أي شك، صارت الصور المتحركة بأبطال من الواقع في الجزائر مصدر اختلاف، واتساع للهوّة بين الذين يريدون للشعب أن يرى كل شيء أبيض اللون، وبين الذين يريدونه أن لا يرى إلا السواد، وفي الحالتين دَفع للوطن نحو أعماق الأزمة التي يتخبط فيها.
الوزير الأول قال في عاصمة الأوراس إنه لن يكررّ مرة أخرى نفس الإجابة عن نفس السؤال المطروح عن حالة الرئيس، ولكنه بسفره إلى باريس وتقديمه موجزا عن لقائه القصير بالرئيس، كان يجيب عن نفس السؤال بنفس الإجابة، من دون أن يطرح عليه أحد أي سؤال، والطرف الآخر الذي ظل ينتقد توجّه رئيس الجمهورية للعلاج في فرنسا ومكوثه الطويل بين العلاج والنقاهة في باريس، مازال يُبحر في المواقع الفرنسية، بحثا عن أي خبر متشائم عن الحالة الصحية للرئيس، حتى ولو كان صاحبه لا علاقة له بالطب ولا بالسياسة أو الصحافة، وما يهمّ هو رائحة التشاؤم التي صارت تُقدم مثل أقراص النوم، لمواطنين ماعادوا يثقون في السياسة فمارسوها بأنفسهم، وفي الطب فمارسوه لأنفسهم وعلى غيرهم، وفي الدولة فتحوّل كل منهم إلى دولة يحصل على حقوقه بالطريقة التي يريد، وفي الوقت الذي يريد.