-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فرص تصحيح العلاقات مع أوروبا العجوز

حبيب راشدين
  • 5840
  • 5
فرص تصحيح العلاقات مع أوروبا العجوز

بين زيارة وزير التجارة السعودي الأخيرة إلى الجزائر، وزيارة التركي أردوغان، وأخيرا زيارة الوزير الأول سلال إلى فرنسا، برز عنصرٌ كاشف للخلل الفظيع في سياستنا الخارجية، وعوائدها الكارثية على الاقتصاد الوطني. فقد كشفت زيارة الوفد السعودي عن استعدادات سعودية طيبة للاستثمار في الجزائر قد تزيد عن ملياري دولار في بحر أربعة أشهر قادمة، فيما احتاجت الجزائر إلى عقد من الزمن، وربما إلى كثير من التنازلات، لتقنع الشريك الفرنسي الأول منذ الاستقلال بالاستثمار المباشر الذي بقي لعقدٍ من الزمن دون ملياري دولار.

حتى تنفيذ عقد الشراكة في مصنع رونو، كان الشريك الفرنسي يجتهد لتثبيط الأوروبيين عن العودة إلى السوق الجزائرية بالاستثمار عبر صيغة 51   49، بل كانت تمنع شركاتها من الاستثمار المنتج في الجزائر تحت أي صيغة، فلا ترى فيها سوى سوقٍ واعدة للمنتَج الفرنسي، بعد أن منحها اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي بوابة العودة المحصنة من الرسوم الجمركية.

وحدها الأزمة الاقتصادية التي تعصف بأوروبا، هي التي حملت الحكومة الفرنسية على “مراجعة مؤلمة” لسياستها دفاعا عما تعتقد أنه حديقتها الخلفية، قد عبر عنها وزير الخارجية الفرنسي أثناء تدشين مصنع رونو بوهران بالقول: “إذا كنا نريد التواجد في هذا البلد الكبير فعلينا أن ننتج بالشراكة معه في عين المكان” وهي مقاربة جديدة ما زالت تجد كثيرا من المعارضة داخل مراكز صنع القرار في فرنسا، ولها خصوم حتى في الجزائر من بين أولئك الذين طالبوا بإسقاط مبدإ الاستثمار بنظام 51 49.

القبول الفرنسي بشراكة تتخلص تدريجيا من مخلفات الثقافة الكولونيالية التي طبعت السياسة الفرنسية قد يكون مرحليا، في وقت لم تعد فيه الجزائر بحاجة إلى فرنسا، وقد توفرت لها بدائل كثيرة في آسيا وأمريكا الجنوبية، كما قد يتوقف مستقبلا على مقدار انكماش السوق العالمية أمام الصادرات الفرنسية، وحاجتها إلى ضمان ما هو تحت اليد بحكم الإرث الاستعماري.

غير أن القرار الأخير يبقى بيد الحكومات الجزائرية، التي لم يعد لها مبررٌ يسوغ لها الإبقاء على علاقات مختلة مع المستعمِر القديم، مع وجود سوق دولية مفتوحة، وشركاء جدد لا يترددون اليوم في المراهنة على السوق الجزائرية الواعدة، ومنهم دول الخليج الذين يبحثون بجدية عن توفر مناخ سياسي وثقافي أكثر انفتاحا على المال العربي، يفترض من صانع القرار الجزائري أن يتعامل معه بذهنية جديدة، وبرسم آفاق جديدة أمام المال العربي، خاصة في مجال الاستثمار في صناعات الطاقات البديلة التي هي همّ وحاجة مشتركة بين معظم الدول العربية.

وفي الجملة لم يعد لا لفرنسا، ولا لدول الاتحاد الأوروبي، من ميزة تبرر استمرار ربط اقتصادنا على هذا النحو مع مجموعة غربية تتعامل مع شركائها بذهنية القرن التاسع عشر الاستعمارية، وبالروح الأطلسية للقرن العشرين، ولا تتردد في معاقبة الدول والشعوب بالحصار والعقوبات الاقتصادية الظالمة، التي لم تسلم منها دولة عظمى مثل روسيا، حتى يأمن منها بلدٌ متوسط مثل الجزائر، سبق أن تضرّر من حصار مماثل في العشرية السوداء قاده الشريك الفرنسي بلا تردد.  

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • بدون اسم

    يا استاظ هل تظن ان ما تسميمهم اصحاب القرار يفكرون فى مصلحة هده البلاد لا تحاول ان تقنع نفسك انهم كذالك

  • خالد

    صحيح ان التعامل مع فرنسا هو سبب من الاسباب التي جعلت الجزائر ترتمي بكل ثقلها في احضان فرنسا رغم ما للجزائر من امكانيات سواء الطاقات البشرية او الثروات التي حبانا الله بها يبقى السؤال المطروح دائما لماذا فرنسا بالضبط نعشقها حتى الثمالة هذا ما يجيب عنه التاريخ في القريب وتعرف الاجيال القادمة ان فرنسا هي سبب تخلفنا وانسلاخنا عن هويتنا فاصبحنا كالذي يبحث عن حتفه بظلفه وغرقنا في بحر التجارة العالمية وتركنا انتاجنا واهملناه فعلا فنحن شعب عظيم

  • الوافي

    مشكور يا استاذ راشدين دائما عميق ومنطقي ووطني كعادتك ..مع اخذ مخاوف التعليق رقم واحد بعين الاعتبار ..لكن هناك فاجعة عندنا ليست جديدة على كل حال وهي ان من بيده القرار لاياخذ براي من بيده القلم ..

  • بدون اسم

    نظره الغرب لنا ستبقى استعلائيه متعجرفه و النفاق السياسي و التصريحات الاعلاميه لا قيمه لها و فقط الجاهل و الابله من يصدقها ..! ايضا السعوديين او الاماراتيين لن يقدموا استثمارات لنا لاجل سواد عيوننا .و الذي يثير التسائل لماذا نحن دائما بحاجه لمستثمر اجنبي و لدينا ثروات هائله و احتياطات نقد اقرضنا منها البنك الدولي ! اليس من الاجدى ان نستثمر نحن في بلادنا ؟ مشكلتنا الحقيقيه ليست بالمستثمرين و لكن في المسؤول الذي بيده القرار الذي يحب البلد و يود ان يخدمها و يرفع مستوى الشعب فكريا و اقتصاديا

  • تاجر

    المشكل يا أستاذ هو ما مدا ديمومة الإستثمارات العربية و هل ستكون مستقرة نوعا ما كي تكون لنا الشجاعة الإقتصادية و السياسية للإستغناء على الأروبيين ؟ ثم أنه في المقابل هذه الإستثمارات الخليجية لا يكسب فيها العرب إلا المال أما الأعمال و المشاريع هي من خلال شركات غربية, فالشركات الفرنسية قد تأتينا عبر بوابة السعودية, فالإمتيازات التي نمنحها للعرب للإستثمار سيستفيد منها الغرب بصفة غير مباشرة.