-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
أستاذ العلوم والعلاقات الدولية الدكتور محمد الصالح جمّال لـ"الشروق":

فرنسا على حافة الاختيار الاستراتيجي في مواجهة أزمة مركبة!

عصام بن منـية / ن. طـلـحي
  • 216
  • 0
فرنسا على حافة الاختيار الاستراتيجي في مواجهة أزمة مركبة!

يرى الدكتور محمد الصالح جمّال، أستاذ العلوم والعلاقات الدولية، والباحث في الشؤون الأمنية، أن الأحداث المتسارعة التي تشهدها فرنسا خلال أكتوبر الجاري، لم تعد مجرد موجة احتجاجات عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات أمنية أو تصريحات حكومية، وإنما أصبحت مؤشراً على أزمة مركبة تتقاطع فيها الاختلالات الاجتماعية مع الانسداد السياسي، والضغوط المالية، وتراجع الثقة في المؤسسات، حيث أن ما شهدته البلاد خلال هذا الأسبوع، من اضطرابات وأعمال تخريب ونهب في باريس ومرسيليا وليون ومدن أخرى، في سياق احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة وأوضاع التعليم، يكشف عن اتساع الفجوة بين قدرة الدولة على إدارة الأزمات وتوقعات المجتمع منها.

من احتجاجات الشارع إلى أزمة في نموذج الحكم…

وفي السياق، قال جمّال في حديث لـ”الشروق اليومي”، أن الاضطرابات التي تشهدها فرنسا هذه الأيام تحولت من احتجاجات الشارع إلى أزمة في نموذج الحكم، مضيفا بأن المشكلة الاستراتيجية التي تواجه فرنسا اليوم لا تكمن في خروج المتظاهرين إلى الشوارع فحسب، وإنما في تراكم الأسباب التي تدفع قطاعات اجتماعية مختلفة إلى التعبير عن غضبها في اللحظة نفسها. فالاحتجاجات الطلابية التي ارتبطت بنقص المدرسين وتدهور المؤسسات التعليمية وصعوبات الالتحاق بالجامعة، تداخلت مع مطالب العمال والنقابات والفئات المتضررة من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء والسكن.

وهنا ـ يضيف المحلل ـ تظهر إحدى المفارقات الأساسية في التجربة الفرنسية، كونها دولة تمتلك مؤسسات عريقة وموارد اقتصادية كبيرة، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في تحويل هذه الإمكانات إلى شعور ملموس بالأمان الاجتماعي والعدالة وتكافؤ الفرص، مؤكدا بأنه عندما يشعر المواطن بأن دخله لا يواكب تكاليف الحياة، وأن الخدمات العامة تتراجع، وأن القرارات الاقتصادية لا تعكس أولوياته اليومية، تتآكل تدريجياً الثقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالبه.

وقد أسهمت الانتخابات التشريعية المبكرة لعام 2024 في تعميق حالة التشرذم البرلماني، ما جعل تشكيل توافقات مستقرة بشأن السياسات العامة أكثر صعوبة، وذكر محدثنا في تحليله، بأنه وفي ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027، لم تعد كل أزمة اجتماعية مجرد تحدٍّ حكومي آني، بل أصبحت عاملاً يعيد تشكيل موازين القوى الانتخابية ويؤثر في مستقبل القيادة السياسية الفرنسية.

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة “08 ماي 1945” بقالمة، قال بأن الخلل الاستراتيجي هنا يتمثل في صعوبة الجمع بين فرض الانضباط المالي والاستجابة للمطالب الاجتماعية، في وقت تحتاج فيه الحكومة الفرنسية إلى استعادة الثقة وإثبات قدرتها على إدارة البلاد. فالتشدد من دون معالجة الأسباب الاجتماعية قد يوسع دائرة الاحتقان، بينما تقديم تنازلات مالية واسعة من دون موارد مستدامة قد يزيد الاختلالات المالية، وهذه المعضلة ـ حسبه ـ تتطلب قيادة قادرة على بناء تسوية سياسية واجتماعية مقنعة، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات واحدة تلو الأخرى، وأنه من الضروري التمييز بين الاحتجاج السلمي وأعمال العنف والنهب والتخريب؛ فالأولى حق سياسي واجتماعي، بينما تمثل الثانية اعتداءً على الأشخاص والممتلكات والنظام العام، غير أن الخلط بين الفئتين قد يضعف شرعية الاستجابة الأمنية، مثلما أن التساهل مع التخريب يضر بثقة المواطنين في قدرة الدولة على حمايتهم.

وفي قراءته للأحداث التي أضحت تسهدها فرنسا خلال هذه الأيام، أكد جمّال بأن القراءة الاستراتيجية الأعمق هي أن الأمن المستدام لا يتحقق بالقوة الميدانية وحدها، بل بالتكامل بين كفاءة الأجهزة الأمنية وفاعلية المؤسسات السياسية وعدالة السياسات الاجتماعية. فالدولة القوية ليست تلك التي تستطيع احتواء الاضطرابات فحسب، وإنما التي تمتلك أيضاً القدرة على منع تحول المظالم المتراكمة إلى انفجارات متكررة.

إن أي سياسة مالية تفقد بعدها الاجتماعي تتحول إلى مصدر إضافي للتوتر، حتى لو استندت إلى مبررات محاسبية أو التزامات اقتصادية، على حد تعبيره.

وفي المقابل، فإن تجاهل حدود الإنفاق والدين العام قد يفاقم تكاليف الاقتراض ويقلص قدرة الدولة مستقبلاً على تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية، مضيفا بأن الاضطرابات قد انعكست بالفعل على الأسواق الفرنسية، مع تزايد المخاوف المالية وارتفاع عوائد السندات الحكومية إلى مستويات لافتة، فيما أعلنت شركات تجارية عن خسائر كبيرة بسبب التخريب والنهب.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية، وإنما في صياغة سياسة اقتصادية توزع الأعباء بصورة أكثر توازناً، وتحمي الفئات الهشة، وتعيد توجيه الموارد نحو القطاعات التي تمثل أساس الاستقرار الوطني، في تقدير المحلل.

هل تحصد باريس نتائج خياراتها السياسية مع الجزائر؟

ولم يفوّت محمد الصالح جمّال الفرصة ليعرّج على الخيارات السياسية التي انتهجتها فرنسا خارج حدودها وتحديدا مع الجزائر، حيث قال في هذا الشأن بأنه لا يمكن، في قراءة نقدية أوسع، فصل الأزمة الفرنسية عن مراجعة الخيارات السياسية التي انتهجتها باريس خارج حدودها، وفي مقدمتها سياستها تجاه الجزائر. فالدول التي تتعامل مع تاريخ الشعوب وذاكرتها الوطنية بمنطق الحسابات الظرفية، وتُخضع العلاقات الثنائية للمزايدات السياسية والاعتبارات الانتخابية، لا يمكنها أن تتوقع بناء شراكات مستقرة أو الحفاظ على رصيد الثقة الضروري لمواجهة التحديات المشتركة.

لقد أظهرت الأزمة الجزائرية الفرنسية، التي تفاقمت منذ صيف 2024 على خلفية الموقف الفرنسي من قضية الصحراء الغربية، أن المقاربات غير المتوازنة قد تتحول إلى عبء دبلوماسي واقتصادي وسياسي على أصحابها، والكلام للمحلل.

والأكثر دلالة أن استمرار بعض التيارات السياسية الفرنسية في استدعاء الإرث الاستعماري لتغذية الخطاب الانتخابي، بدلاً من التعامل معه بمسؤولية تاريخية، يكشف عجزا عن التحرر من ذهنية قديمة تتعارض مع متطلبات العلاقات الدولية المعاصرة، على تعبير محدثنا.

ومن هذا المنطلق، يضيف جمّال، يمكن قراءة ما تواجهه فرنسا اليوم بوصفه مناسبة لمراجعة شاملة لسياساتها، الداخلية والخارجية، ولإدراك أن المكانة الدولية لا تُصان بازدواجية المعايير، ولا بمحاولة فرض التصورات على الدول ذات السيادة، وإنما باحترام استقلال قرارها ومصالحها وذاكرتها الوطنية. فالجزائر التي دفعت ثمناً باهظاً لاستعادة سيادتها لن تقبل أن تتحول ذاكرتها إلى ورقة انتخابية، ولا أن تُختزل علاقاتها مع فرنسا في حسابات ظرفية؛ وأي شراكة مستقبلية جادة تقتضي احتراماً متبادلاً واعترافاً صريحاً بحقائق التاريخ، بعيداً عن الاستعلاء والمناورات السياسية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!