فضيحة
ثار من ثار، وغضب، من غضب، وسخط من سخط على ما سُمي “الفضيحة” وصفا للفعلة التي فعلها السفهاء بتسريب أسئلة امتحانات البكالوريا.
وما ثُرت، وما غضِبت، وما سخطت، واعتبرت القضية رغم خطورتها “نورمال”.. وزارني صديق وراح يُصدّع رأسي بما قيل ويُقال عن “الفضيحة”. ولكنه لاحظ عليّ هدوءا، وهو الذي يعرفني أنني أثور، وأغضب، وأسخط لأقل منكر، كرَمْيِ عقب سيجارة في الطريق، وسألني عن سبب هدوئي؟
فقلت: ألم يقل الشاعر: “تكسّرت النصالُ على النِصال.؟”.. فهذا الذي سُمّي “الفضيحة” هي واحدة من فضائح لا تُعد ولا تُحصى.. والاعتراض الوحيد عندي عليها هو حصرها بهذه “ال” التعريفية، كأنه لا فضيحة غيرها، بينما نحن نسبح في زمن الفضائح، من جميع الأوزان، ومن جميع الألوان.. ومن جميع الأشكال. وأخشى ما أخشاه أن يأتي علينا يوم نستبدل نحن، أو يستبدل غيرنا، الوصف الذي تشرّف بلدنا به وهو”بلد المليون شهيد”، ليصير “بلد المليون فضيحة”. خاصة وقد فرضنا على العالم “منطقنا” اللاّمنطق، وصار يقبله منا، ولا يعترض عليه مادامت مصالح “القوم” مضمونة.. إنني لأتساءل عن الفرق بين الغش في الامتحانات ما صَغُر منها منها وما كبر، وبين الغش في الانتخابات ما علا منها وما سَفُل، وبين الغش في الصفقات ما غلا منها وما رخص… إن ذلك كله يسمى “غشا”… أنا لا أتوقّع الخير من بعض المسؤولين كبارا وصغارا، إلا إن أصبح “إبليس يأمر بالمعروف” كما يقول الإمام الإبراهيمي.. ولا أتوقّع الخير من فرنسا ومن “بقاياها” في الجزائر، الذين عاثوا فيها فسادا، ولم يألوها خبالا.. وهم الآن أكثر شرا منها، لأن “العبد” دائما يزايد على سيده.
إن أولادنا – وهم يلعبون – لأَكثر جدّية من بعض “المسؤولين” الذين يحسبون أنفسهم، ويحسبهم السفهاء، على شيء، وأنه لم يُخلق مثلهم في البلاد.. وهم – في الحقيقة – سبب ما أصاب الجزائر بـ “جهلهم” وفسادهم، وغيّهم، وطغيانهم..
وقد ضحكت حتى ظنّ من كان معي أن “سُوءا” أصابني، فسألني صاحبي عن سبب هذه الضحكة “الهستيرية”، فرأيته تصريحا “لمسؤول” يقول: “سنكشف المتورطين في تسريبات البكالوريا، ونعاقبهم”.. فسألني: ماذا تريد أن تقول؟ فقلت: مادامت الجملة مسبوقة بهذه “السين”، التنفيسيّة أو التّسويفية فليبشر المتورطين “بطول سلامة”، فالعدل عندنا في غيبوبة عميقة.. ولا أمل في أن يفيق منها في المدى المنظور..
لقد اقترح بعض الأساتذة بالاستغناء عن الحراسة في الامتحانات مادامت الأسئلة معروفة مقدما، وذهب آخر إلى أبعد من ذلك فاقترح أن يجري المترشحون الامتحانات في بيوتهم…
إن الله – عز وجل – قد وضع “قانونا”، وهو يتأكد يوميا، “إنه لا يُصلح عمل المفسدين”، فلا ننتظر صلاحا أو إصلاحا من فاسدين في أنفسهم مفسدين لغيرهم.. وحتى لا يغتر مُغتر، بادعائهم الإصلاح نبّه القرآن الكريم إلى كذب دعواهم بقوله: “ألا إنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون”، ولا ننس أن “من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، ويُشهد الله على ما في قلبه، وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها، ويهلك الحرث والنسل..” وكل هذا موجود في بعض “مسؤولينا”.