الرأي

فقراء إلى الأخلاق!

بقلم: الشيخ محمّد الغزالي –رحمه الله-
  • 456
  • 0

إن الخلاف الفقهي في ديننا -إذا استوفى شرائطه العلمية والخلقية- لا يسمى معصية أبدا، بل كل مجتهد مأجور بإجماع الأمة. والذين يتذرعون بالخلاف في الفروع للغمز واللمز، والتمزيق والتفريق جديرون بالتأديب. ولا أصدق أن رجلاً مؤمنًا استجمع الأخلاق الربانية يسف إلى هذا المستوى. ونتحدث الآن عن الأخلاق الإنسانية كالصدق والأمانة والوفاء والشرف… إلخ، وإنما سميتها كذلك لأنها عامة تشمل المسلمين وغيرهم.

وأضداد هذه الأخلاق هي أركان النفاق، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: “أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من خصال النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر”.. والغريب أن الفجور في الخصومة، والعبث بالعقود والعهود، والاستهانة بالكلمة، والإضاعة للأمانات، كلها تكاد تكون عادات مألوفة بين الكثيرين، وإن المسلمين لا يلتزمون بما ورثوا من دين في ميادين الأخلاق عامة إلا من عصم الله.. على حين نجد أتباع ملل أخرى يتحرون في معاملاتهم ومسالكهم مكارم الأخلاق، ويترفعون عن الفوضى والإسفاف والتسيب.

وقد قلت: إنني نظرت في تراث العظماء، فلم أجد أغنى ولا أزكى ولا أوسع ولا أرفع مما تركه محمد –صلّى الله عليه وسلّم- في ميدان الأخلاق، فما الذي باعد الأمة عن تراثها وزحزحها عن قواعدها؟ إن الخلق العظيم لأمة ما نتاج جملة من العناصر المتماسكة المتكاملة، تلتقى فيها العقائد والعبادات والأحوال الاقتصادية والسياسية. ثم إن الخلق ليس قراءة ورقة ولا سماع درس، إنه صناعة شاقة، وتجارب متكررة، وتكلف مستمر ينتهى بأن يكون ملكة قائمة وصبغة ثابتة.. وقد لاحظت أن جهودًا شيطانية بذلت ليكون الإيمان عقيما بالتأويل والتعطيل المتعمدين. فقد يكون الإيمان عند البعض كلمة فقط لا عمل معها، وقد يكون العمل نافلة يزدان بها وقد يستغنى عنها، وصور العبادات تؤلف أسفار في ضبطها، أما جوهرها الباطن فقلما يكترث به.. وقد نشأت عن ذلك مفارقات رجحت كفة المجتمعات الكافرة، وهوت بكفة المجتمعات المؤمنة، فقول الزور في ديننا يعادل الشرك: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزور)). وقول الزور كبيرة في قضية صغيرة بين رجلين أو امرأتين، ولكننا في العالم العربي مثلاً نصنع انتخابات مزورة بجهاز يشترك فيه عشرات الألوف من الناس وتتواصى الأطراف المعنية بقبول نتائجه وتسكت الجماهير الغفيرة مغضبة أو عاجزة، وهذا الوضع لا تعرفه أمم علمانية، تحتقر الزور وتحترم الحق، وتنظر إلى الكلمة المنطوقة على أنها رباط خطير، وكأنها هي التي نفذت قول القرآن الكريم: ((إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِايَتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَذِبُون)).

إننا فقراء إلى الأخلاق الربانية والأخلاق الإنسانية على سواء. وقد أدرت ظهري لمتدينين قصروا ثيابهم وتمنوا الموت الزؤام لمن يخالفهم في أن لحم الجزور ينقض الوضوء، وأن شهادة المرأة لا تقبل في الحدود والقصاص… إلخ.. من الأخلاق الربانية والإنسانية بنيت الأمة الإسلامية، والبناء باق ما بقيت هذه الأخلاق، فإذا وهت تصدع الصرح كله، وتعرض للضياع.

إن العقائد هي التي تصنع المثل العليا والمثل العليا هي التي تهيمن على السلوك وتوجهه والعقائد طور للنفس الإنسانية ينقلها من الميوعة إلى الثبات والصلابة، والأخلاق هي القوالب التي تصاغ فيها حركات المرء وسكناته ويستحيل أن يتوفر الاحترام لأمة لم تستقر عقائدها وأخلاقها. (من كتاب الحق المر).

مقالات ذات صلة