فقراء رمضان و”جوع كلبك يتبعك”؟
لم أكن أتصور أن يأتي يوم وأرى فيه مواطنين يقطعون الطرق وهم يرفعون شعار ” قفة رمضان” ولم أستوعب كيف تصبح سياسة الحكومة هي فتح التسجيل لقفة رمضان في البلديات، ولم أفهم كيف صار هم الجمعيات الخيرية منحصرا في جمع المؤن وتوفير وجبات الافطار في ما يسمى بمطاعم الرحمة، فهل أصبح المواطن الجزائري من المهاجرين الأفارقة أو اللاجئين السوريين؟.
70 وجبة بدولار وقفة بـ 35 دولارا؟
تمنح السلطات الجزائرية في شهر رمضان المبارك من كل سنة ملايير الدنانيير من خزينة الدولة في شكل قفة قيمتها الاجمالية 3500دج (35 دولار) بينما تسمح للطالب بأكل 70 وجبة بـ10 دينار (دولار واحد) بمعنى أنها تتبع سياسة الدينار الرمزي لنهب أملاك الدولة وتعلم الأجيال القادمة “الطمع والإتكال” وتنشر بين المواطنين سياسة الاعتراف بالفقر بوثيقة رسمية مصادق عليها في البلدية، ولو كان هناك مشروع وطني لبناء مستقبل الجزائر لعملت السلطات الجزائرية بالمثل الصيني ” لا تعطني سمكة وعلمني كيف أصطادها” أو احترمت شعار الراحل هواري بومدين “لا ندخل الجنة وبطوننا خاوية”.
يتساءل علماء الاقتصاد: هل الفقر مجرد انخفاض في دخل الفرد أم تراجعات في مجالات الغذاء والصحة والتعليم وغيرها…؟ وتساءل علماء الاجتماع : لماذا تحارب الدول العظمى الإرهاب ولا تحارب أبجدياته وهو الفقر، عندما التزمت 189 دولة في الأمم المتحدة عام 2000 بسياسة الإنماء لتحقيق الرفاهية عام 2015 توسعت الحروب الاستباقية والحروب الأهلية وعمّ الارهاب فمن هو المسؤول عن التدهور الاقتصادي وانتشار العنف والفقر؟ .
سددت الجزائر ديونها كاملة لدى صندوق النقد الدولي ومحت ديونا لدول عربية غنية وإفريقية قدرت بأكثر من مليار و400 مليون دولار ولو وزعت هذه الأموال كرواتب لفقراء الجزائر لمكنهم من العيش بكرامة لمدة خمس سنوات على الأقل، لكن من يقفون وراء صفقات “ّقفة رمضان” أقوى ممن يريدون بناء الدولة وحفظ ماء وجه الكثير من الجزائريين .
يعرّف الفقير بأنه من يعيش بأقل من دولار واحد ويقدر عددهم بأكثر من ملياري نسمة في العالم منهم أكثر من 25 مليون في الوطن العربي فهل دول البترول عاجزة عن تخصيص دولار واحد من كل برميل لصالح هؤلاء الفقراء العرب.
إذا طبقنا مفهوم الغرب لقيمة الوجبة للفرد الواحد والمقدرة بـ 15 دولار (1500 دج) فإننا سنصنف معظم الجزائريين في خانة الفقراء.
من يقرأ أدبيات الفقر في التراث العربي والديني يتذكر قول علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) لولده الحسن:” يا بني استعذ بالله من الفقر إنه منقصة للدين وداعية للمقت ومدهشة للعقل، يا بني مارست كل شيئ فغلبته، ومارست الفقر فغلبني لأني إن أذعته فضحني وإن كتمته قتلني… فكاد الفقر أن يكون كفرا” أو كما قال:”والله لو كان الفقر رجلا لقتلته”.
الدين والسياسة والرياضة والتجارة
يعتقد الكثير بأن تصريح بوتفليقة في عهدته الأولى أن يشحذ من أجل الشعب الجزائري هو الذي حول من يحيطون به إلى ممارسة سياسة ” جوع كلبك يتبعك” فالوعود بالسكن تحققت بعد أن استنفذ المواطنون كل طرق الاحتجاج وسياسة محو الديون على جميع المستويات أوصلت الكثير من الصحف التي لم يكن لها موقف من السلطة إلى جدولة ديونها مع المطابع أما التي رفضت المساندة فقد أوقفتها المطابع.
وتفاديا للاحتجاج تجاهلت السلطة تجار الأرصفة ومحلات الحلويات والزلابية واهتمت بتزيين الطريق السيّار والحدائق بالعاصمة فتحولت الشوارع إلى “ّقمامات”، وفي غياب المسؤول الذي يتحمل مسؤولية منصبه غرقت البلاد في الفوضى بحيث باتت سلطة تعيين الموظفين بأيدي رجال المال وليس غريبا أن تسمع لويزة حنون تتهم أحدهم بأنه يريد الإطاحة بمدير مؤسسة عمومية لأن الأحزاب صارت نقابات تستخدم مناصبها لأغراض سياسوية؟.
يقول العارفون بالشأن الجزائري بأن الرياضة أنقذت الجزائر من “ربيع عربي” وأن السلطة والأحزاب استثمرت فيها فتصوروا معي كيف يكلف إمام بفريق وطني في المونديال عوض أن يرافقهم طبيب نفساني، فماذا لو أن كل فريق مشارك في كأس العالم جاء برجل دين؟ هل يحتمل المشاهد رؤية ثلاثة رجال دين مع فريق واحد يضم المسيحي والمسلم واليهودي؟
ما أثار انتباهي هو تلك الفتاوى التي اقحمت في الرياضة حول حق الرياضي المسلم في الإفطار ولهذا فإن خسارة الفريق الوطني مع المانيا اسفر عن وجود رأيين مختلفين: الأول يبرر الخسارة بصيام اللاعبين والثاني يبررها بعدم احترام الصيام فلو كان هناك فصل بين الديني والرياضة التي صارت علما لما تجادل الصحافيون والرياضيون حول موضوع ليس من انشغالات المواطنين.
يحاول البعض أن ينسب انتقال الجزائر لثّمن نهائي كأس العالم في البرازيل إلى سياسة السلطة وليس إلى المدرب الذي يقود الكل حربا ضده بما فيها راوراوة الذي أبرم اتفاقا مع مدرب فرنسي قبل نهاية المدرب الحالي الذي حقق ما لم يحققه غيره فهل يقبل انصار الفريق الوطني أن تتخلى السلطة الرياضية عن رجل جعل الجزائر تحظى بسمعة كبيرة بعد 32 سنة من الفشل في الوصول إلى الدور الثاني؟ .
تعرض موقع (سي .آن.آن) الالكتروني إلى شعار ( One, Two,Three Viva L’Algerie) أو”واحد، اثنان، ثلاثة، تحيا الجزائر” معتبرا إياه انشودة مبنية قصتها – وفق الصحفي الفرنسي غيوم ستول – على أربعة احتمالات أولها الادعاء بأنها تعبر عن “حرب الاستقلال 1954 -1962″ وكانت في شكل عبارة بالانجليزية We want to be free بمعنى “نريد أن نكون أحراراً” وثانيها انتصار الجزائر في مبارة مع الفريق الانجليزي شفيلد يونايتد عام 1974 بنتيجة 3-1 بملعب وهران ، وثالثها: التوتر مع المغرب في السنة نفسها ، ورابعها: نهائي العاب المتوسط مع فرنسا عام 1975 الذي حقق فيه فريق رشيد مخلوفي انتصارا بنتيجة 3-2، متناسيا اللقاءات التي أجراها الفريق الجزائري مع الفريق الألماني عام 1964 بعد استرجاع السيادة وكأس العالم عام 1982 وهما مبارتان انتصر فيهما الفريق الجزائري على نظيره الألماني في حين الحظ لم يحالفه هذه السنة بعد الوقت الاضافي.
يعتقد الكثير من المتتبعين للشأن الجزائري بأن المشاورات التي يجريها احمد أويحيى غطت عليها كرة القدم وأن المعارضة وجدت صعوبة في النزول الى الشارع بسبب الانشغال بالرياضة لكن ماذا سيحدث بعد انتهاء كأس العالم وشهر رمضان؟، ربما تؤجل الكثير من المشاكل إلى الدخول الاجتماعي الذي سيكون ساخنا إذا لم تبادر السلطة بالدعوة إلى الاستفتاء على الدستور وإجراء انتخابات تشريعية مسبقة؟.