فلسطين: أيقونة الاحتجاج العالمي
هل طفح الكيل أخيرا… هل وصلت أوروبا إلى منعطف (التغيرات النوعية التي تؤدي إلى تغيير شامل وجذري في المجتمع) كما قال لينين؟
يبدو أن الأفق في القارة العجوز يلوح بأفول النيوليبرالية، ومشهد ينذر بالانقلاب الكلي نحو غسق الشمس الحمراء… مشهد بدأت إرهاصاته منذ تفشي فيروس “كورونا” قبل سنوات، وتبلور المشهد اكتظاظا وتظاهرا إبان حرب الإبادة الجماعية في غزة… ووصل الآن إلى ذروته مع امتطاء اليمين المتطرف عجلة الحكم في بعض أنحاء القارة البيضاء.
لقد شهدت فرنسا خلال الأسابيع المنصرمة تظاهرات وصفت بأنها الأعنف والأكثر احتجاجا في تاريخ أوروبا، تمثلت في حركة طلابية منظمة خرجت إلى الشوارع ضد الأزمة الحادة في قطاع التعليم ونقص التمويل الحكومي… وسياسة التقشف. تلك المظاهرات التي عادت بالذاكرة إلى الثورة الطلابية التي اندلعت في شهر ماي 1968، وكانت يسارية بامتياز، شكلت فيما بعد تيار اليسار الجديد في فرنسا وأوروبا.
لم تقف حدود تلك المظاهرات الطلابية قبل أسابيع عند شوارع باريس، بل امتدت لتشمل أنحاء كبيرة من المدن الفرنسية، وأخذت طابعا منظما ومنهجيا، انضمت إليها فيما بعد نقابات العمال وناشطون ورؤساء أحزاب ونواب برلمانيون، شكلوا بذلك كتلة متكاثفة من الجمع الفرنسي يسير نحو العدالة الاجتماعية والمساواة، ولكأنها شعارات تشير إلى ربيع أوروبي جديد قادم ليشعل لهب الثورة في هياكل الدولة المتضخمة بالفساد والرأسمالية.
سيل بشري هائل برق سريعا من شوارع باريس إلى ضواحي مدينة لييج البلجيكية، وصولا إلى العاصمة بروكسل، حيث أخذ صدى تلك التظاهرات يتردد في أنحاء بلجيكا بنفس الوتيرة ونفس المضامين والأهداف الاجتماعية في العدالة والمساواة…
هنا في فرنسا التي تتبجح بالحرية والديمقراطية… تعرّى وجه الجمهورية وبانت عوراتها القمعية، واتضحت صورة الاستبداد الأمني والسياسي في مشهد حي ومباشر أمام أعين الملايين من البشر وهم يتابعون قمع الشرطة الفرنسية الوحشي وتنكيلها بالمتظاهرين الطلاب، والذي أسفر حتى اللحظة عن اعتقال المئات وإصابة العشرات، بعضهم بحالات حرجة للغاية.
كل ذلك لم يثنِ عزيمة المتظاهرين، وأخذت التظاهرات طريقا أكبر وأوسع حين حضرت فلسطين ورموزها منذ الأيام الأولى للتظاهرات، وهو ما يمثل إعادة تدوير للذاكرة الأوروبية لما حدث في ماي 1968، حين تظاهر الطلبة من جامعة “السوربون” لمطالب جامعية طلابية، إضافة إلى رفض الحرب الأمريكية على فيتنام ودعم المقاومة الفلسطينية التي بدأت تتشكل في مطلع الستينات.
حيث شهدت أروقة جامعة “السوربون” آنذاك وجامعة “نانتير” نقاشات مفتوحة وتوزيع مناشير سياسية تعبر عن الدعم المباشر لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وقد تشكلت مجموعات طلابية تحت مسميات مثل “لجان فلسطين”، والتي نشطت في التوعية بعدالة القضية داخل الأوساط الأكاديمية والعمالية الفرنسية… وانضمام كثير من المثقفين والأكاديميين والفنانين الفرنسيين إلى تلك الحركة المناوئة للسلطات التقليدية في فرنسا ودعم الشعوب المقاومة في وجه الإمبريالية.
وها هو التاريخ الأوروبي اليوم يعيد نفس الكرة بغضب شبابي من جيل (Z)، والذي خرج يوائم مطالبه الوطنية مع المطالب الأممية ومناهضة الاحتلال ومطالبة أوروبا بوقف التسليح والدعم للمحتل الصهيوني والكف عن دعم أوكرانيا…. واتخاذ موقف مناصر لإيران في وجه الحرب الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية الهمجية عليها….
لقد كانت فرنسا منذ البدايات هي بوابة التغيير السياسي في أوروبا منذ إعلان وقيام الثورة الفرنسية التي أرست دعائم الحرية والمساواة وأنهت حكم الممالك والأمراء والإعلان عن حقوق الإنسان…
اليوم ربما بدأت دعائم الجمهورية الخامسة في فرنسا بالتقهقر أمام التحولات الجديدة التي رأى كثير من المحللين فيها ملامح الاشتراكية الراديكالية، تلك الملامح التي تجسدت في الأناشيد الثورية الشيوعية منذ زمن الاتحاد السوفياتي في شوارع باريس، ومنها أغنية (كاتيوشا) الشهيرة…. فهل تدور فرنسا نحو اليسار… وتأخذ أوروبا معها… ربما هذا رهن الأيام المقبلة التي كشفت غضبها من السياسة الترامبية العالمية التي تحاول تعويم الطبقية العالمية بين طبقة الشمال وطبقة الجنوب.
إنما حدث في فرنسا أثار حفيظة وغضب الشباب الجامعي في كل دول العالم من أقصاه إلى أقصاه، من الهند شرقا إلى البرازيل غربا، مرورا باليونان وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها.
مظاهرات تحمل مطالب اجتماعية لكنها ترفع فلسطين عاليا شعارا للمرحلة….
ما يحدث اليوم في دول أوروبا والعالم له استشراف أممي على عدالة قضية فلسطين…… بعد اندلاع طوفان الأقصى… وعلى أحقية الشعب الفلسطيني في حريته وكرامته والوقوف معه… وفضح سياسات الاحتلال والحكومات الداعمة له… لقد أثمر السابع من أكتوبر في كل شوارع العالم، ودخلت فلسطين إلى كل بيت ومدرسة وجامعة وكنيسة ومقهى. وغدت فلسطين أيقونة احتجاج عالمية، وبات القاصي والداني في العالم يرفع شعار الكون ويهتف:
(من النهر إلى البحر…. فلسطين حرة)
… فأين ربيع العرب من قضاياهم الوطنية والقومية؟
ألم يحن الوقت لتنهار عروش المماليك… ويدخل الربيع إلى الأروقة الملكية!؟