الرأي

فلسفة التحضير الجيد لدخول مدرسي ناجح

عومر بن عودة
  • 29
  • 0

مع اقتراب كل دخول مدرسي تتجه الأنظار إلى مدى جاهزية المؤسسات التربوية لاستقبال التلاميذ ، وتوفير الظروف المناسبة لانطلاق الدراسة في أحسن الأحوال ، غير أن الدخول المدرسي الناجح لا ينبغي أن يختزل في يوم محدد تفتح فيه أبواب المؤسسات ، بل هو نتيجة لعملية تحضير متكاملة تبدأ قبل ذلك بأسابيع ، وربما بأشهر ، وتشمل الجوانب البيداغوجية والإدارية والمادية والاجتماعية والصحية والأمنية.

_ إن فلسفة التحضير الجيد تقوم أساسا على الاستباق بدل الانتظار ، والتخطيط بدل الارتجال ، وتشخيص النقائص قبل أن تتحول إلى مشاكل ، واستعمال المعطيات لاتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب ، ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى التحضير للدخول المدرسي من خلال ما يلي:

1_ التخطيط البيداغوجي والموارد البشرية:
يعد التحضير البيداغوجي نقطة الانطلاق الحقيقية لأي دخول مدرسي ناجح ، لأن الغاية الأساسية من كل الإجراءات هي توفير ظروف مناسبة للتعلم والتعليم ، ويبدأ ذلك بضبط الخريطة الحقيقية للتلاميذ ، من خلال تحيين القوائم الاسمية ، ومعرفة أعداد التلاميذ المتوقع التحاقهم بكل مستوى ، وضبط توزيعهم على الأقسام والأفواج ، مع مراعاة التوازن في الأعداد والخصوصيات التربوية لبعض الفئات.
_ كما ينبغي أن نستفيد من نتائج السنة الدراسية السابقة ، ليس فقط لمعرفة نسب النجاح والرسوب ، وإنما لتحديد مواطن الضعف والصعوبات المسجلة في مختلف المواد والمستويات ، ووضع برامج للدعم والمعالجة البيداغوجية.
_ ويأتي بعد ذلك إعداد استعمالات الزمن ، وهي عملية تحتاج إلى دراسة دقيقة ، لأنها ترتبط بتنظيم عمل الأستاذ والتلميذ واستغلال الحجرات والمخابر والقاعات المتخصصة ، ولذلك ينبغي إعدادها مسبقا ، وتفادي الاختلالات قدر الإمكان ، وتحقيق الاستغلال الأمثل للإمكانيات المتاحة.

_ أما الموارد البشرية فهي العمود الفقري للعملية التربوية ، فلا يمكن لمؤسسة أن تحقق أهدافها إذا كانت تعاني نقصا في الأساتذة أو الموظفين أو العمال ، ولهذا يجب ضبط التعداد الحقيقي للموارد البشرية ، وتحديد المناصب الشاغرة ، ومعرفة الاحتياجات في كل مادة وتخصص ، ومعالجة الاختلالات قبل بداية الدراسة.
_ كما أن حسن توزيع المهام والمسؤوليات ، وبرمجة الاجتماعات التنسيقية ، وإعداد جداول الحراسة والمداومة ، كلها إجراءات تساهم في تحقيق الاستقرار منذ اليوم الأول ، فالتحضير الجيد يعني أن تدخل المؤسسة السنة الدراسية وهي تعرف مسبقا عدد تلاميذها ، وعدد أقسامها ، واحتياجاتها من الأساتذة ، وكيف ستنظم دراستها.

2_ الهياكل ، التجهيزات ، الأمن والصحة:
إن جاهزية المؤسسة التربوية لا تقاس بفتح أبوابها فقط ، وإنما بمدى صلاحية فضائها لاستقبال التلاميذ وتوفير شروط السلامة والراحة ، ولهذا ينبغي إجراء معاينة شاملة للحجرات ، والمخابر ، والورشات ، والقاعات المتخصصة ، والمرافق الصحية ، والإدارة ، والساحات ، والمداخل ، والممرات ، إضافة إلى شبكات الماء والكهرباء والغاز والتدفئة ، كما يجب التأكد من سلامة الأبواب والنوافذ والسلالم والأسقف ، ومعالجة كل النقائص التي يمكن أن تؤثر في السير العادي للدراسة أو تشكل خطرا على التلاميذ والموظفين ، ويرتبط بذلك الجانب الأمني والوقائي ، الذي ينبغي أن يحظى بعناية خاصة ، ففحص وسائل الإطفاء ، والتأكد من صلاحية مخارج النجدة ، ووضع مخطط للإخلاء ، ومعاينة النقاط الخطرة داخل المؤسسة ومحيطها ، كلها إجراءات يجب أن تتم قبل الدخول ، والوقاية لا تعني فقط توفير التجهيزات ، وإنما أيضا تدريب الموظفين وتحسيس التلاميذ بقواعد السلامة وكيفية التصرف في حالات الطوارئ.
_ أما الصحة المدرسية فتحتاج بدورها إلى تحضير مسبق، من خلال التنسيق مع مصالح الصحة ، وضمان نظافة المرافق ، وسلامة مياه الشرب ، وتهوية الحجرات ، ومتابعة الحالات التي تحتاج إلى عناية خاصة ، كما ينبغي أن تتحول المدرسة إلى فضاء للتوعية الصحية ، من خلال نشر ثقافة النظافة الشخصية والتغذية السليمة والنشاط البدني والوقاية ، فالمدرسة الآمنة والصحية تساعد التلميذ على التعلم في ظروف أفضل ، وتمنح الأسرة مزيدا من الثقة في المؤسسة.

3_ الاستشراف والرقمنة ومعالجة الاكتظاظ:
ربما يكون هذا المحور من أهم التحولات التي ينبغي أن تميز التحضير الحديث للدخول المدرسي ، لأن المطلوب اليوم ليس فقط معرفة ما لدينا ، وإنما التنبؤ بما سنحتاج إليه ، وهنا تبرز أهمية الرقمنة وقواعد البيانات في توفير معلومات دقيقة حول أعداد التلاميذ ، والأقسام ، والحجرات ، والأساتذة ، والنتائج ، والغيابات ، وغيرها من المعطيات ، ويمكن استثمار هذه البيانات في إعداد دراسات استشرافية تساعد على اتخاذ القرار قبل ظهور المشكلة ، ويأتي في مقدمة ذلك ملف الاكتظاظ المدرسي ، فبدلا من انتظار الدخول المدرسي ثم اكتشاف أن بعض المؤسسات عاجزة عن استيعاب أعداد التلاميذ ينبغي توقع ذلك مسبقا ، ويمكن تحقيق ذلك من خلال مقارنة عدد التلاميذ المتوقعين بالطاقة الاستيعابية للمؤسسة ، ودراسة حركة الانتقال بين مختلف الأطوار ، ومتابعة التطور الديموغرافي للمناطق ، ومعرفة المؤسسات التي يمكن أن تعرف ضغطا في أعداد التلاميذ.
_ وعند اكتشاف وجود مشكل الاكتظاظ يمكن التدخل مسبقا من خلال فتح أقسام إضافية ، وإعادة توزيع التلاميذ ، والاستغلال الأمثل للحجرات ، أو برمجة التوسعات وإنجاز مؤسسات جديدة في المناطق التي تعرف تجمعات سكانية.
_ إن التنبؤ بالاكتظاظ قبل حدوثه يمكن أن يصبح نموذجا جديدا في تسيير الخريطة المدرسية ، لأنه ينقل الإدارة من منطق معالجة النتائج إلى منطق التحكم في الأسباب ، والرقمنة هنا ليست هدفا في حد ذاتها ، وإنما وسيلة لصناعة القرار.

4_ الإطعام ، النقل ، البيئة والجانب الاجتماعي:
_ يحتاج الدخول المدرسي كذلك إلى تحضير شامل للخدمات المرافقة ، لأنها تؤثر بشكل مباشر في استقرار التلميذ وتمدرسه ، ويأتي الإطعام المدرسي في مقدمة هذه الخدمات ، خصوصا بالنسبة للتلاميذ الذين يقضون ساعات طويلة داخل المؤسسة أو ينحدرون من مناطق بعيدة ، ولهذا يجب تجهيز المطاعم ، وضبط أعداد المستفيدين ، ومراقبة التموين والتخزين والتحضير ، واحترام شروط النظافة والسلامة الغذائية ، مع الحرص على تقديم وجبات متوازنة وذات قيمة غذائية ، كما يمكن الاهتمام بالمنتجات الوطنية ذات القيمة الغذائية ومنها التمور ، بما يساهم في تحسين نوعية التغذية وتشجيع المنتجات المحلية.
_ ومن جهة أخرى يمثل النقل المدرسي عنصرا أساسيا لضمان تكافؤ فرص التمدرس ، خصوصا في المناطق الريفية والنائية ،
وينبغي قبل الدخول ضبط أعداد المستفيدين ونقاط التوقف ، والتأكد من جاهزية الحافلات وسلامتها.
_ ومن جهة أخرى يجب أن يكون البعد البيئي حاضرا في التحضير للدخول المدرسي ، من خلال تنظيف المحيط ، التشجير ، وترشيد استهلاك الماء والكهرباء ، وتشجيع الفرز وإعادة التدوير ، وهنا يمكن أن يتحول مشروع المدرسة الخضراء إلى مشروع تربوي مستمر ، يجعل التلميذ شريكا في حماية البيئة ، وليس مجرد متلق للمعلومات حولها.
_ ولا ينبغي إغفال الجانب الاجتماعي والنفسي ، لأن التلميذ ليس مجرد رقم في قائمة القسم ، فهناك تلاميذ يحتاجون إلى مساعدة للاندماج ، وآخرون يواجهون صعوبات اجتماعية أو دراسية أو نفسية.
_ ومن هنا تبرز أهمية مستشاري التوجيه والإرشاد ، والأساتذة ، والإدارة ، والأسرة ، في اكتشاف الصعوبات مبكرا والوقاية من العنف والتنمر والتسرب المدرسي ، مع توفير ظروف مناسبة للتلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة.

5_الحوكمة والشراكة والتقييم المستمر:
_ إن نجاح الدخول المدرسي مسؤولية مشتركة بين مختلف مستويات المنظومة التربوية ، فعلى وزارة التربية الوطنية أن توفر الرؤية العامة والإطار التنظيمي ، وأن تحدد الأولويات وتوفر الوسائل ، وتستعمل البيانات الوطنية في التخطيط والاستشراف.

_ أما مديريات التربية فعليها تحويل هذه الرؤية إلى خطط ميدانية ، من خلال دراسة وضعية كل مؤسسة ، ومتابعة الموارد البشرية والهياكل ، ورصد النقائص ، والتنسيق بين مختلف المصالح ، والتدخل في الوقت المناسب لمعالجة الاختلالات.

_ وفي الميدان يحتل مدير المؤسسة موقعاً محوريا ، باعتباره الأقرب إلى الواقع اليومي للمؤسسة ، فهو مطالب بتشخيص الوضعية ، وضبط الاحتياجات ، وتنظيم الموارد البشرية ، ومتابعة جاهزية المرافق ، وإعداد استعمالات الزمن ، والتنسيق مع الأساتذة والموظفين والأولياء.

_ كما أن الأسرة شريك أساسي في إنجاح الدخول المدرسي ، فالعلاقة بين المؤسسة والأولياء ينبغي ألا تبدأ عند وقوع المشكلة ، وإنما منذ بداية السنة ، من خلال التواصل المستمر ، وتوضيح النظام الداخلي ، ومتابعة الغياب والتحصيل والسلوك ،ويبقى التقييم المستمر عنصرا ضروريا ، فحتى بعد انطلاق الدراسة ينبغي ألا نعتبر عملية التحضير قد انتهت ، بل يجب متابعة المؤشرات خلال الأسابيع الأولى ، هل هناك اكتظاظ؟ ، هل هناك نقص في التأطير؟ ، هل استعمالات الزمن مناسبة؟ ، هل النقل والإطعام يعملان بشكل طبيعي؟ ، هل ظهرت نقائص جديدة؟ ، ومن هنا يمكن بناء مفهوم التصحيح المبكر ، أي التدخل بمجرد ظهور المؤشر الأول للمشكلة ، قبل أن تتوسع وتصبح أكثر صعوبة في المعالجة.

_ إن الدخول المدرسي الناجح يبدأ قبل الدخول ، والتحضير له ليس عملية إدارية موسمية ، وإنما هو جزء أساسي من فلسفة تسيير المنظومة التربوية ، وكلما كان التحضير مبنيا على التخطيط والاستشراف والبيانات والتنسيق ، قلت المشاكل ، وتراجعت الحلول الاستعجالية ، وتحسنت ظروف التلميذ والأستاذ والإدارة.

_ إن الدخول المدرسي الناجح يبدأ من الخريطة البيداغوجية والموارد البشرية ، ويمر عبر جاهزية الهياكل والأمن والصحة ، ويعتمد على الرقمنة والاستشراف والتنبؤ بالاكتظاظ ، ويهتم بالإطعام والنقل والبيئة والجانب الاجتماعي ، وينتهي إلى حوكمة تقوم على الشراكة والتقييم والتصحيح المستمر.

_ فهذه هي فلسفة التحضير الحقيقي ، التخطيط قبل التنفيذ ، والتوقع قبل الوقوع ، والوقاية قبل العلاج ، والبيانات قبل القرار ، والتقييم من أجل تحسين المستقبل ، والمدرسة التي تريد دخولا مدرسيا ناجحا لا تبدأ عملها يوم يصل التلميذ إلى القسم، وإنما تبدأ منذ وقت مبكر في التفكير في كل ما يحتاجه هذا التلميذ حتى يجد أمامه مدرسة جاهزة ،آمنة ، منظمة ، ومهيأة للتعلم والنجاح.

مقالات ذات صلة