فوائض الموائد الرمضانية تنتهي في حاويات النفايات
مع قدوم شهر الخيرات بنسماته ونفحاته الإيمانية، الذي يحل ضيفا كريما على بيوت المسلمين في مختلف ربوع الوطن، تتجدد مشاعر التقوى وتتعالى أصوات الدعاء طلبا للمغفرة والرحمة، فهو شهر يختلف عن باقي أشهر السنة بما يحمله من أجواء روحانية وفرص للتقرب إلى الله عبر الصيام والقيام وفعل الخيرات، غير أن مظاهر هذا الشهر الفضيل لم تعد تقتصر على العبادات والطاعات، بل امتدت لتأخذ منحى استهلاكيا متزايدا، حيث تنقسم السلوكيات بين من يغتنمون أيامه في العبادة والعمل الصالح، ومن ينشغلون بالأسواق والعروض التجارية التي تروج لمختلف أنواع المواد الغذائية والمشروبات.
في ولاية عين تموشنت، بات الكثيرون يخصصون ميزانية خاصة لشهر رمضان، تحسبا لمصاريف التسوق واقتناء ما لذ وطاب من أطعمة، بل إن بعضهم قد يلجأ إلى الاقتراض لتلبية متطلبات يفرضها هاجس الوفرة وتنوع الموائد، ويؤكد متابعون أن هذه السلوكيات كثيرا ما تنتهي بمظاهر تبذير مؤلمة، حيث ترمى كميات معتبرة من الطعام في حاويات القمامة بسبب الإفراط في الشراء والطبخ دون تخطيط أو وعي بحجم الاستهلاك الحقيقي.
وخلال جولة ليلية بعدد من أحياء مدينة عين تموشنت، بدت مشاهد النفايات الغذائية صادمة، إذ امتلأت الحاويات ببقايا أطعمة متنوعة كان مصيرها الإهمال، وتصدر الخبز قائمة المواد الأكثر تعرضا للتبذير، هذا وقد أعرب أحد عمال النظافة عن أسفه لرمي بعض العائلات أطعمة موضوعة في أكياس منفصلة توحي بأنها صالحة للاستهلاك، مشيرا إلى أن كميات النفايات ترتفع بشكل ملحوظ في الأيام الأولى من الشهر، قبل أن تتراجع نسبيا مع اقتراب النصف الثاني، حيث تتحول اهتمامات كثيرين نحو اقتناء ملابس العيد ومستلزمات الحلويات.
من جهتها، ترى السيدة «ب. هوارية» أن أي قطعة طعام تنتهي في سلة المهملات تمثل شكلا من أشكال الهدر الذي لا تستفيد منه سوى الحيوانات الضالة، في وقت توجد فيه عائلات معوزة بأمس الحاجة إليها، ودعت ربات البيوت إلى جمع ما تبقى من الأطعمة الصالحة وتوضيبها بشكل لائق لتوزيعها عبر الجمعيات الخيرية، معتبرة أن هذه المبادرات كفيلة بالتقليل من ظاهرة التبذير وتعزيز روح التكافل التي يفترض أن تميز الشهر الفضيل.
بدوره، أوضح «بن مهيدي العربي» عضو جمعية إبداع الثقافية، أن التبذير لا يمس الجانب الأخلاقي فحسب، بل يهدد الاقتصاد الوطني ويرهق ميزانية الدولة، خاصة حين يتعلق الأمر بالمواد الاستهلاكية المدعمة كالخبز، وأشار إلى أن الطقوس الاحتفالية المرتبطة برمضان غالبا ما تتسم بالمبالغة، إذ يقبل المواطن على التسوق في ساعات الصيام، فيشتري أكثر من حاجته بدافع الجوع والرغبة في الاستمتاع بالأجواء الرمضانية، متناسيا مؤقتا غلاء الأسعار.
ويرى «إ أمين» مختص في علم الاجتماع، أن شهر رمضان تحول لدى بعض الفئات إلى مناسبة للتنافس في إبراز مهارات الطبخ وتنوع الأطباق، ما يعزز ثقافة الاستهلاك بدل ترسيخ قيم الاعتدال، ورغم الحملات التحسيسية التي تقودها السلطات والجمعيات والمؤسسات الدينية للحد من هذه الظاهرة، إلا أن واقع الإسراف ما يزال قائما، في مفارقة مؤلمة بين روحانية الشهر وسلوكيات تناقض مقاصده، وبين عبق العبادة وضجيج الأسواق، يبقى الرهان معقودا على وعي مجتمعي يعيد لرمضان معناه الحقيقي، شهرا للتراحم لا موسما للاستهلاك والتبذير.