فول “بيليه” طياب!
لا يمر حدث أو مناسبة إلا ويُتحفنا الأسطورة بيليه بخرجة تنسينا في الخرجة التي سبقتها، حتى خُيل لنا أن الجوهرة السوداء أصيب بالخرف مثلما أصيب به غابريال غارسيا ماركيز رغم أن فارق السن بين الاثنين لا يتعدى 13 سنة، ولو أن تخاريف ماركيز تستنشق منها الحِكم (بكسر الحاء) وتجعلك تُجزم أن من حوله مصاب بالزهايمر..
بيليه خرج علينا منذ أسبوع بحكمة مفادها أن منتخب البرازيل الحائز على كأس العالم 1970 أحسن من المتادور الإسباني الذي يحصد في الألقاب مثلما يحصد جرار المدية سنابل العزيزية بقرية القلب الكبير، ولو أن نجوم السامبا آنذاك صُنفوا كأحسن منتخب يمر على البرازيل رغم خلوه من عدّة نجوم كغارينشيا ونيلتون سانتوس وغيلما سانتوس وغيلمار وفازوا في كل مبارياتهم قبل أن يسحقوا الأزوري برباعية لهدف، في حين سحق الثور الإسباني بلاد الروم برباعية نظيفة نظافة الشوارع البولونية التي دمرتها حرب هتلر، ودخل اليورو بثوب بطل العالم مثلما دخل المونديال بثوب بطل القارة العجوز..
صحيح لم نعايش فترة بيليه وسمعنا وقرأنا وقيل لنا في مختلف الوثائقيات المرئية إنه الأفضل على مر التاريخ، ولا نشك في الأرشيف ولا في التاريخ الكروي لأنه الأنظف ويصنعه أصحابه بشهادة الجميع، ولا ننتظر مذكرات ولا مؤخرات ولا مقدمات، لكننا عايشنا بكل حواسنا ما كان يفعله مارادونا وبعده زيدان وكلاهما لم يختلف عن بيليه في قيادة منتخباتهما نحو منصة التتويج وصنعوا أسماء في سماء المستديرة، والكثير من جيل ما بعد بيليه يتساءل عن سر الشرعية التاريخية التي منحها بيليه لنفسه فأضحى هو الحكم الوحيد في الساحة يمنح الألقاب لمن يشاء ويُقلّل من مستوى وسمعة من يشاء، وهو التصرف الذي لم يقم به لا بلاتيني الحائز على ثلاث كرات ذهبية متتالية ولا يوهان كرويف ولا بيكانباور ولا حتى بوبي تشارلتون!!
قبل خرجة اليورو الغريبة لبيليه كان لابن ساوبالو خرجات مماثلة لا تخلو في مضمونها من الجنون الذي يحل عليه ضيفا في لحظات عديدة، ففي الوقت الذي يُشاهد فيه كل العالم ما يفعله الفتى ميسي وعجز الشعراء عن وصف بطولاته، إلا أن بيليه ومن تلقاء نفسه أكد مرارا أن ابن بلده نيمار أحسن من هذا الميسي مئة مرة، قالها وهو يُشاهد في نيمار يهرول وراء ميسي طالبا قميصه في مونديال الأندية، قالها وهو يسمع في نيمار يؤكد ويعيد أنه مبهر بميسي ويريد أن يصل لمستواه، قالها وهو يقرأ تصريحات نيمار، يعبر فيها عن حلمه في أن يُصبح مثل ميسي!!
بيليه أحس أن الجيل الجديد بدأ يُهدد مكانته ويهدد عدد أهدافه التي تجاوزت 1200، وبعدما تخلص من مارادونا أضحى يرى أن الفتى القادم من أزقة روساريو الأرجنتينية يُهدد عرشه العالمي، ولا بد من أكله في وليمة غداء قبل أن يحين موعد وجبة العشاء، ولا يوجد أحسن من شن الهجمات المتتالية لردع ميسي الذي يأبى أن يتوقف عند حده ويتركه يعيش ما تبقى في حلم “أنا الأفضل، أنا الأحسن، أنا الأمثل”، أو بالمثل الشعبي “ فولي طياب”!!