فيلم ” رشيد طفل سنجار”.. صفحات من ألم الذاكرة بآمال معلقة
هل يمكن أن نقرر في لحظة من اللحظات أن نهجر الوطن، بعدما فقدنا الأمن فيه، وأصبحنا نشعر أن حياتنا مهددة؟ بالرغم من أنه جزءا من حياتنا، وقد دفعنا الثمن غاليا من أجله، وكانت التضحيات جسام، لدا لا يمكن تركه وراءنا بحثا عن موطن للسلام.
هي قصة فيلم المخرجة “جاسنا كراجينوفتش” من بلجيكا خلال اليوم الثاني من اللقاءات السينماتوغرافية ببجاية، حيث أثثت أغلب محطاته، بلوحات من الدمار والإبادة، زرعتها ما يسمى بتنظيم “داعش” بالعراق، بعنوان” رشيد طفل سنجار” المنطقة التي شهدت أكبر عمليه إبادة لما يسمى تنظيم داعش في حق أقلية الأيازد في الجنوب الشرقي للعراق.
نقلت خلاله المخرجة هذه الأحداث المروعة، من ذاكرة الشاب المراهق الذي حفظ الكثير من التفاصيل، خلال سجنه رفقة العديد من أهل منطقته، وبعدما كتب له القدر العودة إلى بيته.
وقائع أنسته الدموع كأنها جفت من عيونه، غير أنه لم يفقد الأمل في حياة أفضل، كأمله بأن يعانق أخته التي أخذت من مهدها ذات يوم، دفعته إلى تعليق صورتها بقميصه، خاصة في ذكرى الإبادة المروعة، وأصبحت مثل جزاءا مبتورا من جسدنا نتحسسه كل يوم.
لم تحتج المخرجة لضغط كبير لتقف على ألم كبيرا بداخل رشيد، لكي يقص عليها قصته، وهذا ما كان واضحا في ملامحه التي تغطيها التغيرات الجسدية – الوجه- وهو يطرق أبواب المراهقة، لذا قص قصته بكل تفاصيلها، كمن كان يحمل مسجلة ويسجل كل ما حصل معه، حتى أدق التفاصيل بداية من القبض عليه ثم نقله من العراق إلى سوريا، وكل ما حصل معه، وحتى سؤال أحد أعضاء ما يسمى بـ “داعش” عن الوشم الصغير الذي كان يحتفظ به على ذراعه، حينما فكروا في قطعها جزاءا له.
لكن ورغم هذا، فقد زرعت المخرجة بعض من مشاهد الحياة كرمزية للأمل، حتى ولو كانت بين الأنقاض، كشعاع ولو بسيط نحو مستقبل أفضل، وجاءت في الكثير من الرمزيات، كسجال الكرة بين لاعبي الكرة – ميسي ورونالدو- أو الخرجات الصغيرة من أبناء الحي من كلا الجنسين، وتبادل الصور عبر الهواتف والنكت التي تنسيهم الألم ولو للحظات.
وفي ذات الوقت، بقي المحور الرئيسي لعملها الخوف، وعدم نسيان ذكرى الألم والتي لا تزال تبث في خلال النشرات، والتي تعتبر، بمثابة إنذارا لسكان المنطقة أنه لا أمان لهم فيها.
صنعت المخرجة خلال هذا العمل، عالما حزينا من خلال ما يحيط بالأشخاص على غرار الدمار، المقابر، الدموع الألم، الصور الذكريات الجميلة و ذكرى الإبادة وحتى الأغاني لم تكن للفرح، بل للتعبير عن ما حدث، وفي الأخير الهجرة، وهو ما كان يجب أن يكون، لكي تصب كل هذه الصور الحزينة والمظلمة، في جرح عميق لن يندمل، ويروي قصة حقيقة لإبادة أصبحت محفورة في الذاكرة، خاصة ذاكرة الأطفال، على غرار رشيد، الذي عاش الطفولة بين الدمار والخوف، وهجر حينما فقد الأمل في السلام والأمن، بحثا عن عالم أفضل، وهو مثقل بألم الذاكرة.
كانت بداية هذا الفيلم ، تشبه النهاية إلى حد بعيد، لكنهما يختلفان فقط في الملامح وبعض التفاصيل، بين ملامح مدينة مهدمة تنام الأنقاض فيها حتى الزوايا الصلبة من البيوت لم تسلم من الدمار، ولم يبق فيها أثر للحياة، وهي البداية التي اختارتها المخرجة لتحضر المشاهد للغوص بين هذه الأنقاض وما خلفته ما يسمى بمنظمة داعش من دمار وخوف بين السكان، وبين قرار رشيد لهجرة منطقته نحو استراليا، بعدما تأكد أن اللاأمن عمر طويلا ولا يريد الرحيل، لدا قرر هو الرحيل بدلا عنه، خاصة وأنه يصادف ملامح الكثير ممن خطفوا براءته وبراءة أخته في كل مكان.