فيلم “Sudan Remember us”.. حينما تهزم الكلمة السلاح
نبش الفيلم الوثائقي “Sudan Remember us للمخرجة “هند مداب”، في جرح الذاكرة القريبة للشعب السوداني، بنيت أحداثه على مشاهد واقعية، موثقة و مصورة، سواء في العلن أو في الخفاء، أتت الكثير منها في شكل شهادات، وأخرى في شكل رسائل نصية، تروي أيام الاعتصام وكدا الصدام الذي وقع في الشارع.
توسعت المخرجة في توزيع الأحدث ونقلها للمشاهد من شوارع عرفت عدة مراحل خلال هذه الفترة، التي أضافها الشعب السوداني إلى ثورات سابقة، بين الهدوء حتى يظن الناظر إليها أنه وطن خال على عروشه، وبين أخرى، أشبه بحرب أو باحتلال أو استعمار أكل الأخضر واليابس، تُرى فيه الجثث على الأرض ملقاة، والدماء تسيل في الشوارع، والضرب والتعنيف وصل إلى أبعد الحدود.
كان حضور المرأة طاغيا على المشاهد في هذا العمل، سواء في رسالات نصية إلى هند وهي بفرسنا، من بعض الصديقات المعتصمات، أو في الشارع خلال الاعتصام، نساء جهرن بصوتهن بحثا عن العدالة الاجتماعية رفقة الشباب، سواء بالكلمة أو بالحضور أو برفع الشعارات في الشوارع، بل بتنظيم الاجتماعات للحديث عن الواقع وحلم المستقبل، أو بطبخ الأكل للمعتصمين خلال أيام طويلة، بنات في عمر الزهور تركن التزين وحياة الشابات من امثالهن، وخرجن بحثا عن العدالة.
كان المطلب واضحا وهو التغيير الحقيقي، الذي يدفع بعجلة دولة السودان للتقدم نحو الأمام في كل المجالات، خاصة وأن فيها من الخيرات، ما يكفي لكل فرد في هذا الوطن، وهذا ما عبر عنه الكثير من الشباب، الذين يعيشون على هامش هذا الوطن، وهو وطنهم وليسوا غرباء.
لقد وثق هذا العمل الوثائقي، نضالا آخر ليس نضال السلاح والرصاص، لكن نضال الكلمة التي هزمت الرصاص، عن طريق القصائد المرتبة من طرف الشباب، سواء التي كتبت في في لحظتها أو تلك التي تتلى من ذاكرة الشعراء القدامى للسودان، الذين تغنوا بالحرية والعدالة وحياة أفضل، فيهم من رحل، وفيهم من مازال ينتظر هذا التغيير المنشود مند زمن طويل، أو الأغاني المعبرة، التي صدحت بها حناجر النساء والفتيات خاصة، خلال أيام الاعتصام، الذي فك بالقوة في ليلة عيد سالت فيها الدماء.
نقل العمل الوثائقي مشهد المطالبة بالتغيير الذي تزامنت معه الكثير من أحداث العنف، الذي وثق ولا يزال محفوظا في ذاكرة الجيل الحالي للسودان، الذي كان مطلبه واضحا لكن، حينما تصعب القراءة على من نرسل له الرسائل حتى ولو كانت بسيطة، تصبح الترجمة هي كذلك خاطئة، فتكون ردة فعله عنيفة ضد المسالمين والأبرياء والعزل، ويكون هذا ثمن غاليا لكنه يستحق، لأنه متعلق بالكرامة والحرية، وهو ما نقله العديد من الشباب بعد فراق الكثير من الأحباء خلال هذه الفترة من تاريخ السودان القريب.
هو صراع طولي، مازالت آثاره إلى حد اليوم، ترك في ذاكرة المواطن السوداني ألما غائرا، ثورة كان حصاده مؤلما على الشعب السوداني، بين من رحل للأبد وبين من هجر الوطن.