فيه حاجة… غلط!
ميزان التبادلات في الجزائر سجّل أربعة عشر مليار دولار فائضا تجاريا خلال الأشهر العشرة الأخيرة، بعد أن كان الرقم أربعة مليارات في ذات الفترة من السنة الماضية، وأسعار النفط تناطح المائة دولار في الأيام الأخيرة بعد أن كانت دون الخمسين في السنة الماضية، والأرض شبعت ماء وثلجا في هذا الشهر البارد وكانت جافة في ذات الشهر من السنة الماضية… هل يمكن أن نحلم أحسن مما نحن فيه الآن من نعمة؟ أم أننا سنبقى ننزعج من الغيث ونصف هاته الملايير التي يقذفها سيل النفط في خزائننا “بالزوج صوردي”؟
-
أرقام الأرض وزخات السماء أكدت أن الحالة المادية للجزائر تحسنت بالضعف على الأقل مقارنة بالعام الماضي، وصار منطقيا أن تتقلص البطالة إلى نصف النسبة الموجودة حاليا، وأن تنسف ملايير الدولارات المتدفقة على الخزينة كل مظاهر البؤس التي تصنع يومياتنا وتشكل الحدث الأول في مختلف جرائدنا من مخدرات وهجرة سرية وجرائم اختلاس المال العام وتهريب وتبييض الأموال وتجارة الرق وتزوير وانتحال صفة الغير، ولأننا نعاقب المواطنين كلما عاقبنا الجفاف وانهيار أسعار النفط، صار الأمل أن نمنحهم فسحة من الحلم كلما هبت نسائم الخير المادي، فقد عاشت الجزائر بـ”نقمة” النفط منذ السبعينات. إذ يغرق الشعب في الكماليات عندما يرتفع سعره ويتجرع الأزمة كلما انهار سعره، ومع ذلك بقينا، مقيدين بهذه الثروة الباطنية الزائلة، وغير قادرين على أن نستنسخ من نتائجها ثروات أخرى يكون قوامها الإنسان، كما يحدث حاليا في دول كثيرة لا تمتلك زفرة بترول ولا شهقة غاز واحدة.
-
الحكومة تُدرك أن النفط زائل وأن ميزانية مئات الملايير من الدولارات التي ضختها للخماسي القادم لن تتكرر أبدا، والشعب يدرك أنه هو الثروة الخالدة، وأن مبلغ الخماسي الضخم لا يعني شيئا إذا أسيء استعماله من طرفه بسلبيته إزاء كرنفالات التبذير التي جففت آبار النفط عندنا ولم تجفف عرق اللاهثين خلف مختلف طرق اختلاس أموال الشعب، ولأول مرة في عالم “الأزمات” يتحدد التشخيص ويُعرف المرض دون التوفيق في تقديم العلاج، أكيد أن في الأمر خللا وفي هذه المعادلة التي صعُب علينا حلها غلطة ما تجعلنا عاجزين عن التوفيق أو على الأقل البحث عن سُبل التوفيق المثلى، أو كأضعف الإيمان الحلم بالتوفيق في تجاوز محنة اليأس رغم ما أعطانا باطن الأرض وباطن السماء من خيرات.. هل الغلطة في الحكومة أم في الشعب أم فيهما معا.. المهم أن في الحكاية غلطة.