في الجزائر… “إرهابان”؟
ماذا يمكننا أن نقول لمواطن جزائري بسيط، استفاق بصعوبة من الضربة الموجعة التي زلزلت أعماقه في عين أمناس، بعد أن حاول الإرهابيون أن يمدّوا أيديهم الحمراء نحو لقمة العيش التي أرادتها السلطة أن تكون لقمته الوحيدة، ورضي أن يبقى سجينها مكرها ثم مخيّرا، وهو يُضرب في أعماقه، بقضية لا تقلّ إرهابا عن همجية بلمختار وجماعته، بعد أن كشفت تحقيقات بوليسية وقضائية أن شركة إيطالية قدمت الرشوة لمسؤولين في سوناطراك لأجل نهب المال العام الجزائري والثروة التي حباها الله بلد الشهداء؟
وكيف يمكننا أن نشرح لهذا المجروح، ما حدث وما يحدث في قلب حاسي مسعود من فساد، والتقارير تأتيه مثل عواصف فيفري الممطرة والمثلجة من الخارج ومن بلاد كنا نسميها بمعقل المافيا، وليس من الداخل حيث سحابة رملية تحجب الرؤية على الدوام. وإذا كان الإيطاليون سيحاسبون شركات دفعت الرشوة لأجل أن تمصّ دم الآخرين، فكيف لا نحاسب نحن من منح لمصاصي الدماء كل هاته الوسائل ومصّ معهم آخر القطرات من الدم الجزائري؟
الحديث عن تجاوزات شكيب خليل، وجرّه مثل “الأضحية” إلى فناء الذبح السياسي والقضائي، ما عاد يُقنع أحدا، لأن الجرائم الاقتصادية لا يمكن أن يكون المتهم فيها شخصا واحدا، خاصة إذا كانت بحجم قارة “الحاسيات” الموجودة في الجزائر، وما تفضل به الادعاء العام في إيطاليا، وما نصحت به منظمة “شفافية دولية” لأجل متابعة المتهمين في قضايا الفساد يجب أن يوضع جانبا، وتباشر الجزائر، كما فعلت في قضية عين أمناس، القضاء على طاعون الفساد، وستجد كما وجدت في عملية عين أمناس كل الجزائريين إلى جانبها. فإذا كانت إيطاليا وقطاع النفط لا يمثل شيئا بالنسبة إليها، قد هزت الدنيا ولم تقعدها بسبب تعامل شركة على أرضها بالرشوة مع شريك أجنبي، فكيف للجزائر أن تصمّ أذنيها وتغمض عينيها أمام هذا الخطب الذي مسّ ثروتها الكبرى ومصدر حياتها الوحيد منذ الاستقلال، خاصة أن عمر هذه الثروة لن يزيد عن لمح البصر، حسب الخبراء الأجانب والجزائريين، والذين سمحوا لشكيب خليل بالعبث بخبز الجزائريين هم أنفسهم الذين سمحوا لعبد المؤمن خليفة ببناء إمبراطوريته، ولعاشور عبد الرحمان بتهريب أموال بحجم ميزانية دولة في أوربا، ومع ذلك نعدّ أسماء المتهمين والوجع واحد.
لقد حزّ في نفس الجزائري في العشرية السوداء أن تحول اسم الجزائر مرادفا للتفجيرات والمجازر، وما زال يعاني نفسيا لحد الآن من الآثار الإعلامية التي شوّهت الجزائر وصوّرتها بقعة دم لا يجف، ويخشى الآن أن يعيش عشرية أخرى، بدأ فيها نشر الغسيل الرث لحقبة استفاد منها مصاصو الدماء من الدم الجاري في كل مكان، فتاجروا بالسائل الأسود، ومارسوا إرهابهم الصامت تحت مظلة الإرهاب الناطق. وإذا كان الجزائريون قد استفاقوا من صدمة الإرهاب الذي خسر مواقعه بالكامل، فإن إرهاب الفساد يوشك أن يحطمهم، والجزائري يحفظ مثلا شعبيا يقول إن “خبطتين” في الرأس لا تبقيان… ولا تذر؟