الرأي

في المسيلة

أحب مناطق الجزائر كلها، وأحبها إلى قلبي، وأكثرها حضورا في ذهني، وترددا على لساني تلك المنجبة للغر الميامين من أرباب الفكر، الذين جسّدوا المروءة والفحولة العلمية، ولم يخونوا أمانة العلم بتملقهم لذي سلطان أو لذي نشب..

من هذه المناطق المحبّبة إلى قلبي منطقة المسيلة، التي زرتها أول مرة في شتاء عام 1971، حيث قمنا – نحن طلبة قسم التاريخ بجامعة الجزائر- بزيارة إلى ولاية سطيف، التي كان المسيلة تابعة لها آنذاك.

كانت الرحلة تحت إشراف أستاذنا مولاي بلحميسي، والدكتور هشام الصفدي، (من سوريا) الذي كان يدرسنا تاريخ الامبراطورية الرومانية، والدكتور رشيد بورويبة الذي كان يؤمن أن فرنسا ليس كمثلها شيء، وأنه لو لم توجد فرنسا لكان على الناس أن يوجدوا فرنسا، إنها قمة الانسلاب والاستلاب، ولاشك أن ذلك آت من زوجة الفرنسية، وقديما قال أوائلنا: “الوسادة تغلب الولادة”، وليس المثل على إطلاقه.. فمنا من اقترنوا بفرنسيات، ولم يصيروا لهن عبيدا. وممن رافقنا في تلك الرحلة، الدكتور المغربي محمد عزيز الحبابي، الأستاذ بقسم الفلسفة، وكان يفلسف كل شيء، بشرا، وحجرا، وشجرا.. دينا، وتاريخا.. ومما أذكره له أننا كنا في أحد مرتفعات قلعة بني حماد، وهبّت ريح قوية وباردة كادت تهوي بنا إلى أسفل، فساعدت الدكتور الحبابي، فدعا لي قائلا: “سخّر الله لك من يأخذ بيدك ويساعدك عندما تسير إلى ما أنا فيه”. وكم سخر الله – عز وجل- لي من أخذ بيدي عندما اشتعل رأسي شيبا، ووهن العظم مني..

لقد أحببت المسيلة، التي كان تسمى المحمدية، وكيف لا أحبها، وهي التي أنجبت أبا جعفر أحمد الداودي (ت 402 هـ)، الذي يرجح كثير من العلماء أنه هو أول شارح لصحيح البخاري… وفي المسيلة ولد الحسن ابن رشيق المسيلي، المعروف باسم ابن رشيق القيرواني، وليس للقيروان منه إلا السكن.. ومن الأدباء والنقاد من لم يعتمد على كتابه “العمدة” وللعلم فإن البيتين اللذين يقولان:

مما يزهدني في أرض أندلس         سماع معتصم فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضوعها      كالهّر يحكي انتفاخا صولة الأسد

ينسبهما كثير من الدارسين لابن رشيق المسيلي المتوفى سنة 463 هـ/ 1071م.

وزرت المسيلة مرة ثانية في سنة 1999 صحبة الأخ الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي في إطار الحملة الانتخابية لذلك العام. ولم يجد أحد الذين يستعاذ بالله منهم إن شوهدوا وإن ذكروا شيئا يعيّرني به إلا مساندة الأخ أحمد طالب.. ولست نادما على ذلك، لأنني ساندت رجلا مجاهدا عالما، نظيف اليد واللسان، وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه..

وزرت المسيلة مرة ثالثة بدعوة كريمة من الأخ الدكتور علي إبن محمد، الذي تآمر عليه شياطين الإنس، الذين توحي إليهم فرنسا بالفساد في الجزائر، لكي تبقى ذيلا لها، ولا تتحرر منها ثقافيا، واقتصاديا ففعلوا فعلتهم في بكالوريا 1992.. وكانت الزيارة للمشاركة في وضع حجر الأساس لزاوية أجداد الأخ الدكتور.. شفاه الله.

وأما هذه الزيارة فكانت بدعوة من شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بولاية المسيلة، للمشاركة في ملتقاها الوطني الثالث، الذي عقد يومي 13-14/7/2017. وكان موضوعه هو: “المناهج التربوي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في محاربة الآفات الاجتماعية – المخدرات نموذجا”.

لقد حضر هذا الملتقى مجموع من الأساتذة يتقدمهم الدكاترة عبد الرزاق قسوم رئيس الجمعية، وعمار طالبي نائبه، وعبد القادر فضيل، وبشير فلاحي وحسن قنفود، والأساتذة طارق ابن شين، ونور الدين رزيق، وقدور قرناش، والطاهر ديلمي، ومحمد الهادي الحسني. وكان الجميع محل رعاية وعناية من أعضاء شعبة الجمعية في ولاية المسيلة، يتقدمهم الأخ الدكتور جلول مسعودي رئيس الشعبة.

لابد من زار المسيلة وكان له فضل وقت أن يزور قلعة بني حماد القريبة من المسيلة، والقلعة هي أولى عاصمتي الدولة الحمادية، وثانيتها هي بجاية.

لقد زرنا القلعة، وصعدنا إلى أعلى نقطة في صومعتها، وعرّفنا الأخ مدير متحف القلعة والمسؤول عن الموقع الأثري طرفا من أخبار القلعة والمستوى الحضاري الراقي الذي بلغته..

وقد مررنا على مسجد أبي الفضل النحوي (ت 513هـ) الذي آثر الاستقرار في القلعة، حتى أتاه اليقين. وأبو الفضل هذا هو صاحب أشهر قصيدة في الرجاء والتفاؤل، وهي المعروفة باسم “المنفرجة”، التي يقوم مطلعها:

اشتدي أزمة تنفرجي   قد آذن ليلك بالبلج.

ولهذه القصيدة عدة شروح، وقد حقق أحدها الدكتور أحمد بورزاق “بوروح”، رحمه الله.

كما حقق شرحا ثانيا لها الأستاذ مصطفى مرزوقي، شفاه الله.

وما أنس لا أنس الأخ عمار نقاز، الذي أمتع نفوسنا بالشعر الهادف، سواء من تأليفه أو من مروياته.. وهو شعر حي موقظ للنائمي، محرك للمجاهدين.. محافظ على جمال اللغة العربية..

وفي موضوع الملتقى أختم بمقولة للرئيس الأمريكي أسبق رونالد ريغان، وهي: “إن الجريمة ليست مشكلة اجتماعية، بل هي مشكلة القلب البشري” (مجلة العربي. سبتمبر 1995. ص61. ومن قبل ريغان قال معلم الانسانية الخير، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب”، ولا صلاح لهذا القلب إلا بالاسلام.. عقيدة، وشعائر، وشريعة، وأخلاق “ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى، قال: رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى”.

وتحية لأهلنا في المسيلة، ولإخواننا أعضاء شعبة جمعية العلماء.

مقالات ذات صلة