في بوعنداس وخرّاطة
شرّفني الإخوة وأسعدوني في كلّ من مدينة بوعنداس، ولاية سطيف، ومدينة خراطة، ولاية بجاية، فدعوني إلى مشاركتهم احتفالات عيد الثأر من فرنسا، إذ محونا ذكرى شارل التاسع وشارل دوغول، كما محونا ذكرى 5/7/1830 في مثل هذا اليوم من عام 1962.
كنتُ مصحوبا بشابّ من آل حميطوش، وهو من مواليد ما بعد استرجاع استقلالنا، فكرّم اللهُ وجهه ووجوه من وُلدوا بعد 5/7/62 إذ لم تتدنّس أعينُهم برؤية الأرجاس الفرنسيين وهم يدنّسون أرض آبائهم، وهو إطارٌ وخرّيج جامعة البليدة.
مررنا على مدينة بجاية الناصرية، نِسبة إلى مؤسّسها الأمير الناصر بن علناس، وقد ذكّرتني مناظرُها الساحرة بما قاله فيها الشاعر ابن الفكّون القسنطيني:
دعِ العراقَ وبغداد وشامَهما فالناصرية ما إن مثلها بلدُ
يا سائلا عن وصفها إذ كنتَ ذا نَصَف، قل: جنةُ الخُلد فيها الأهلُ والولدُ.
التقطنا أنفاسنا في مدينة خراطة، وتوجّهنا نحو مدينة بوعنداس، فشاركنا إحدى الأسر فرحتيها؛ فرحة حفظ كريمتهم القرآن الكريم، وفرحة خطبتها لشابٍّ طيب، والطيبون للطيبات.
أدّينا فريضة الجمعة في المسجد المركزي لبوعنداس وتشرّفتُ بإلقاء درس الجمعة، فذكّرتُ نفسي وإخواني بنعمة نصر الله لجنده بعدما نصروه، وذكّرتُ وذكرتُ جرائم فرنسا التي لا تحتاج إلى تذكير، فهي ماثلةٌ في كلّ شبر من أرض الجزائر. وبعد استراحةٍ قصيرة توجّهنا إلى المركز الثقافي للمدينة، فألقيتُ كلمة حول الجهاد، والوحدة الوطنية التي تمسكها وحدتُنا الدينية، بفضل الإسلام الحنيف.
في طريق عودتنا إلى خرّاطة أدركتنا صلاةُ العصر في حيّ يسمى “المائدة”، فصلّينا العصر في مسجد المجاهد الفاتح عقبة بن نافع الذي تشرّفت الجزائرُ باستشهاده فيها، وتشرّفتْ بحمل اسمه إحدى مدنها “سيدي عقبة”. وزرنا المدرسة القرآنية التابعة لهذا المسجد، وهي مدرسةٌ في موقع بهيج، وهي مدرسة داخلية لمن هم من خارج البلدة… قائمة على تبرّعات المحسنين، أحسن الله إليهم، وزادهم من فضله.
ثم عرّجنا على منطقة كانت فيها ضيعةٌ كبيرة سرقها من أسلافنا أحدُ المجرمين الفرنسيين، وأنبت فيها من كلّ الثمرات، وفي أثناء ثورتنا المباركة الأخيرة حوّلها الجيشُ الفرنسي إلى مركز تعذيبٍ رهيب، وقد استُشهد هناك كثيرٌ من الجزائريين، فرحمهم الله، وجعلهم في روضات يُحبَرون. وللأسف، فإنّ هذا المركز الذي يذكّر ببشاعة فرنسا هو الآن مهمَلٌ من المواطنين، ومن مديرية المجاهدين في ولاية سطيف، ومن الجهة الوصيّة في العاصمة.
في صبيحة السبت 4 جويلية زُرنا “شعبة الآخرة” الرهيبة، حيث ألقت فرنسا المجرمة من شواهقها في 8/5/1945 أبرياء، ومنهم آل حنّون، أبوهم وأبناؤه، ألقتهم في الوادي السحيق، ألقاها اللهُ في سواء الجحيم.
وختمنا صبيحة يوم السبت بندوة في قاعة 8 ماي 45، وهي قاعة واسعة، نظيفة، ولفت نظري أنّ أكثر الحضور كان من حرائر خرّاطة. وما كان لنا أن نزور خرّاطة ولا نذكر شاعر جمعية العلماء، الشهيد الربيع بوشامة، الذي لُقّب بـ”بصيري بني يعلى”، وقد كان مدرِّسا في مدرسة جمعية العلماء في خرّاطة. وقد دارت الكلماتُ التي ألقِيت حوالي المحافظة على الوحدة الوطنية التي استرجعنا بفضلها –بعد الله عزّ وجلّ- كرامتنا، مذكّرين بقول الشاعر:
أصابعُ كفِّ المرء في العدِّ خمسةٌ ولكنّها في مقبض السيف واحد.