في رمضان وبسّ !
كلما اقترب رمضان، شهر التوبة والغفران، والصيام والقيام، بدأ الحديث الحصري بلغة “الكروش”، فالجميع يصبح مولع بهذه اللغة التي تصبح “الرسمية” والوحيدة المفهومة والمتداولة، وبالمقابل، يصبح أيضا الكلّ “تاجر”، فيتحوّل الميكانيكي إلى “خفافجي”، والطبيب إلى “زلابجي” والمعلم إلى “جزار”، والموظف إلى “حشايشي”!
وزارة التجارة لا تـُبدع بإرسال مصالح مراقبة الجودة وقمع الغش، إلاّ عندما يحلّ رمضان، ووزارة الفلاحة لا تثرثر بشأن استيراد اللحوم من الهند والصين و”لوزوطو” إلاّ عندما يعود رمضان، و”المفتون” لا يفتون إن كانت اللحوم حلالا أم حراما إلاّ عندما يقترب رمضان!
ظاهرة أخرى غريبة، ربما تكون “ماد إين الجيريا” فقط، ففي رمضان الجميع مضرب عن العمل، وفي أحسن الأحوال، دخول متأخر لمناصب العمل، بحجة “السهرة” و”صلاة التراويح”، وخروج مبكر، بمبرّر “شراء الخبز” وزيارة السوق، وتفادي الزحمة للإفطار مع الأولاد!
هكذا يصبح النصب و”السرقة” والكذب، محللا في قاموس الناس في رمضان، وكلّ من انتفض ضد ممارسات مرفوضة اتهموه بكلمتين لا ثالث لهما: “غلبو رمضان”، ولذلك، تعمّ “المفاسد” والمنكرات و”المهارد” في شهر الرحمة والاستغفار، ويختلط الحابل بالنابل، ويتنافس المتنافسون في “الشرّ” والعياذ بالله مثلما يتسابقون على فعل الخير !
حتى جمعيات حماية المستهلكين واتحادات التجار والفلاحين والبياطرة وجمعيات تربية النحل ومطاردة القطط الضالة، لا يظهر لها أثر إلاّ في رمضان، مثلما لا تكثف الجمعيات الخيرية من نشاطها إلا في رمضان، ولا يهبّ المتطوعون لتنظيف ساحات المساجد وغسل زرابيها إلاّ في رمضان!
وسائل الإعلام هي الأخرى لا تسلط الضوء على إشعال النار في الأسعار إلاّ خلال رمضان، ولا تتذكر الحكومة المعوزين والفعل التضامني والخيري إلاّ في رمضان، ولا يُنتج الفنانون والسينمائيون مسلسلاتهم الدينية وسكاتشاتهم وكاميراتهم الخفية والمخفية إلاّ في رمضان!
ربما لأن رمضان هو شهر البركة، والمثل الشعبي الشهير يقول: “يجيب ويدّي خيرو معاه”، فإن هؤلاء وأولئك ينتظرون بشغف عودة الفضيل، لإطلاق مشاريعهم وبرامجهم، على اختلافها، فيستيقظ النشاط والحركة والحراك، بعد 11 شهرا من السنة بشهورها الهجرية والميلادية، كانت في أغلب الأحوال للتكاسل والفوضى في كلّ شيء!
تعوّدنا على نغمة “الجميع صائم، الكلّ نائم”، ففي رمضان ينصرف الموظفون إلى عطلة مدفوعة الأجر، وكلّ شيء معطل وعاطل إلى ما بعد العيد، باستثناء “البطون” التي لا تتوقف عن الاشتغال المنتظم، مع كل إفطار ويحور، وطوال ساعات الصيام، إمّا بالتفكير أو التدبير أو “التحبير”.. لكن كلّ تلك الأحداث، تعطي لرمضان بنة خاصة، وهذه ميزة جزائرية بامتياز!