في سيدي بلعباس
“السفر قطعة من العذاب”، خاصة إذا كان هذا السفر في الجزائر حيث يعاني السّفّار من تهوّرات بعضهم أكثر مما يعانونه من نصب السفر..
ولكن هذا العذاب قد يتحول إلى عذب إذا كان السفر ذا هدف نبيل، وكانت الصحبة طيّبة، ووسيلة السفر مريحة تخفف من أتعاب السفر.
ذلك ما توفر لي في أيام الخميس والجمعة والسبت الخالية، التي قضيتها سفرا إلى مدينة سيدي بلعباس الجميلة وإقامة بها، حيث تفضلت ثلاث هيئات في المدينة فدعت الدكتور عبد الحليم قابة وكاتب هذه الرقوم لمشاركتها بعض أنشطتها، وهذه الهيئات هي جمعية مولود قاسم نايت بلقاسم، وشعبة خير جمعية أخرجت للناس -جمعية العلماء- وتكتل الأقصى، المتكوّن من عدة جمعيات.
حالنا بمدينة سيدي بلعباس في آخر يوم الخميس، وما كان لنا من نشاط – تخفيفا من الإخوة عنّا إلا ما كان من لقاء أخوي عند أحد الإخوة الذي لم يعكّر صفوه إلا “شرارة” كهربائية اضطرته إلى الانتقال إلى مكان آخر..
وفي صبيحة يوم الجمعة، تشرفت بالتوجه إلى مسجد الصحابي الجليل “زيد بن ثابت”، وقد سعدت عندما وجدت أن إمامه كان أحد طلبتي في كلية العلوم الإسلامية بحي الخروبة، وقد تشرفت – بعد الحمدلة، والتصلية، والشكر لله- بالترحم على علمائنا العاملين من المتقدمين والمتأخرين، وعلى شهدائنا الميامين، ومجاهدينا الصادقين، ثم ذكّرت نفسي والمؤمنين بما أنعم الله – عز وجل- علينا من نصر مبين، كان من أهم عوامله “وحدة ديننا”، واجتماع كلمتنا مذكّرا ببيت الشاعر الحكيم:
تأبى العصي إذا اجتمعن تكسّرا وإذا افترقن تكسّرت آحادا وهذا ما قضى الإمام المرتضى حياته في الدعوة إليه، والعمل لتحقيقه، حيث كتب في أواخر حياته مخاطبا فئات الشعب الجزائري قائلا: “كوّنوا جبهة متحدة لا تكون المفاهمة إلا معها”، (مجلة الشهاب سبتمبر 1937).
وبعد العصر، تشرفنا بزيارة أحد أفاضل المنطقة، بعدما عقد الدكتور عبد الحليم حلقة علمية في إحدى المدارس الخاصة، وزرنا “بحيرة سيدي بلعباس”، ورأينا أفراد شعبنا -ذكرانا وإناثا، شيبا وشبانا- يتمتعون بما كانت فرنسا المجرمة تحرمنا منه، وتستمتع به وحدها.
ثم تشرفنا بتنشيط ندوة في “مسجد الشهداء”، بناه أحد المؤمنين، ومما يتميز به ويمتاز هو وجود مختص في “لغة الإشارة”، لنقل معاني خطبة الجمعة للإخوة الذين ابتلاهم الله – عز وجل- بحرمانهم من نعمة السمع.. وكان موضوع الندوة عن جهادنا، والتواصي بالاعتصام بوحدتنا، دينا ووطنا وكان مسك الختام نشاط متميز في دار الثقافة حضره جمهور نوعي من الجنسين، وفرح الحاضرون برؤية براعم الجزائر – بنات وبنين- وهم وهن ينشدون وينشدن أناشيد الحمد لله – عز وجل- والأمل في مستقبل الجزائر والأمة الإسلامية المشرق، كما استمع الحضور إلى تدخلات بعض الأساتذة عن جهادينا في أول نوفمبر و7 أكتوبر 2023.
وقد لاحظنا أن مدينة سيدي بلعباس أنظف من كثير من المدن التي زرناها، فلما سألنا عن سبب ذلك، قيل لنا: إن ذلك يرجع بالدرجة الأولى إلى المسؤول الأول عن المدينة والولاية، وهو السيد الوالي الذي لم نتمكّن من مقابلته لوجوده خارج الولاية.