في قصر الشلالة
من أسعد الأوقات في عمري هي تلك الأوقات التي أقضيها هنا وهناك بين إخواني الجزائريين، فأتعرف على جزء من بلادي الشاسعة، فأزداد حبا لها وهياما بها، وتعلقا بها، وأتعرف على إخوة أجد فيهم ما قبضوه من الآباء والأجداد من الأنفة والحمية التي جعلتهم يستعصون على العدو الفرنسي، الذي ابتلعهم ولكنه لم يستطع لهم هضما، وأتعرف على عادات لا تختلف في عمومها عن عادات الجزائريين في أماكن أخرى، وأتأمل ما بين هذه العادات والأعراف من تشابه فلا أجد سببها إلا في هذا الإسلام، الدين القيّم، وقد صدق الفرنسيون عندما سموه “العنصر الموحد”.
وفي هذا اللسان العربي الذي شرفه الله على الألسنة الأخرى ليكون لسان أقوم كتاب أنزل، وأفضل رسول أرسل – عليه الصلاة والسلام – وأدعو الله – عز وجل – أن يمكنني من زيارة إخواني في بقية المناطق التي لم أزرها. بلدة سمعت عنها كثيرا، ولكن لم تكتحل عيناي برؤيتها، ولقاء أهلها، حتى يوم السبت 22 أوت 2015، حيث كتب الله – عز وجل – أن أزورها رفقة ثلاثة إخوة كرام كنت رابعهم، تلبية لدعوة من أخ هناك، إنها مدينة قصر الشلالة.
وصلنا إلى قصر الشلالة والشمس تتأهب لتوديع يومها هناك، فاسحة المجال لآية من آيات الله في كونه، إنها آية الليل، الذي منّ الله عز وجل به على الناس، ولو جعله سرمدا للقوا العنت، فرحمهم به ليستريحوا من سعيهم وكدحهم، ولكن أكثرهم لا يفكرون ولا يشكرون، وهمهم هو أن يأكلوا ويتمتعوا كما تأكل الأنعام.. التي رغم ذلك تسبح الله، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى: “وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم”، لم يمض إلا وقت قصير حتى ارتفع صوت المؤذن شاهدا بأن “الله أكبر” وبأن “محمد رسوله” وداعيا إلى الصلاة والفلاح.. فيمّمنا إلى المسجد، وفي قصر الشلالة.. “الصغيرة” مساجد كثيرة، يعمرها المؤمنون.
بعد إتمام الصلاة، التي تأثرت فيها بقراءة الإمام، سلامة حروف، وعذوبة صوت، تقدم مني السيد الإمام ومعلم القرآن الكريم فسلما ورحبا، فرددت التحية وشكرتهما.. وتفضلا فدعواني إلى إلقاء كلمة قبيل صلاة العشاء، فلبيت الدعوة، لا تعالما ولا حبا وطلبا للشهرة ـ علم عالم السر وأخفى ـ ولكن مخافة ـ إن لم أجب ـ أن يشملني وعيد رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ القائل: “من سئل عن علم علّمه الله وكتمه ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة” أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
كان موضوع تلك الكلمة هو وجوب التحابب بين المسلمين، لأنه ـ بعد الإيمان ـ هو شرط دخول الجنة، مصداقا لحديث من لا ينطق عن الهوى ـ عليه الصلاة والسلام ـ القائل: “والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنون حتى تحابّوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم”.. ولولا ذلك الحب بين أكثر الجزائريين لما استرجعنا “جنتنا” الدنيوية، وهي الجزائر، ولما طردنا منها عدونا فرنسا.
في أثناء تلك الكلمة ذكّرت بشخصين كان لهما فضل العمل والنضال لاستعادة الجزائر من ذلك العدو الأعتى، والأطغى، والأبغى..
أما أحدهما فهو ابن قصر الشلالة، المجاهد سعد دحلب (1919 ـ 2000) ـ رحمه الله ـ الذي كان “صوت الجزائر”، حيث كان وزير خارجية في حكومة ابن خدة ـ رحمه الله ـ وكان ممن شارك في مفاوضات افيان، ثم كان أول سفير للجزائر في المغرب، ومما روي عنه أنه طلب منه أن ينحني أمام الملك الحسن الثاني عند تقديم أوراق اعتماده.. فاعترض، معتزا بجهاد شعبه وتاريخه، ولكنه أدرك أنه لا مناص من ذلك… فلما مثل أمام الملك قام بثلاث أو أربع انحناءات.. وعندما انتهت المراسيم، سأله مسؤول مغربي: طلبنا منك “انحناءة” واحدة فاستنكفت، ثم قمت بما قمت به فلماذا؟ فتبسم سعد دحلب وقال: لقد دفعت مقدما ما يجب تقديمه من انحناءات أمام الكل مادمت في المغرب..
وأما الشخص الثاني الذي ذكرت به فهو المناضل ميصالي الحاج الذي نفته فرنسا إلى قصر الشلالة في أربعينيات القرن الماضي.. وقد شكرني أحد الحاضرين على ما اعتبره “شجاعة” بذكر ميصالي الحاج، الذي يبدو من كلامه أنه يحبه على مذهب رابعة العدوية “أحبك حبين”، وقد أثنى على “إيمانه” ويبدو أنه لم يطلع على مذكرات ابنة ميصالي الحاج التي تذكر فيها غير ذلك.. فغفر الله لنا جميعا.. وما أنكر أحد دور ميصالي قبل الثورة، ولكنه أساء العمل بعدها، غفر الله له.
ومما أفرحني، وأثلج صدري أنني وجدت ثلة طيبة من إخواننا الأمازيغ مستقرين في قصر الشلالة، جاءوها في أيام فرنسا الحالكات في الجزائر فآواهم إخوانهم الشلاليون، وهم متحابون، والفضل في ذلك يعود للإسلام الذي يعتبر الجميع “إخوة” ويعد المؤمنين جميعا “أمة واحدة”، لولا هؤلاء الغربان التي تنعق بيننا باسم “العرقية” و”الجهوية”، ولولا ذلك “الرهط” الذين يجتهدون لاستنبات شجرة “دين” “غير معقول” كما وصفه “القديس أوغسطين”.
إننا كلما ابتعدنا عن الإسلام، وفرطنا في جنبه، ولم نقم مبادئه، الآمرة بالحق، والعدل، والحب والرحمة..، كلما كان ذلك ادعى لنجاح أعدائنا في مخططهم الشيطاني الهادف إلى تقسيم الجزائر، وتفريق الجزائريين، وتمزيق صفهم ووحدتهم..
فلنحذر الشيطان الجني مرة، ولنحذر شياطين الإنس ألف مرة.