في نظرية بيع الكبش بدون مخ!
ثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام، وهو أن ثمن الكبش وقس عليه من الحيوانات المقبولة شرعا للنحر في يوم العيد عدا القرش والجحش يرتفع كل عام في خط مواز، مع ارتفاع كل شيء من كلفة المشروع وحتى كلفة المنصب الذي يدر الريوع، عدا الإنسان العامل والموظف الخامل مستثنى منه معشر الرعيان! فهؤلاء كما يشاع يكونون قد التحقوا في هذه الأيام مع فئة الشخصيات المهمة جدا “فيب” (VIP) مختصرا كما سمي بالإنجليزية، أي ذيب ائتمنوه على حراسة الأغنام وعنده “بسبور أحمر” لا يعترف بالضوء الأحمر.
ويقال نقلا عن روايات الموالين أو مربي قطعان الأغنام أنهم يعانون الأمرين في البحث عن راع أمين وبين قوسين مهنة الرعي وهي من المهن الصعبة كما يزعمون مارسها معظم الأنبياء تقريبا حتى أن أجرته ارتفعت إلى خمسة ملايين شهريا والله أعلم لا ندري إن كانت فيها حقوق الضمان الاجتماعي والتقاعد، أم إنه عمل على شاكلة معظم الأعمال عند الخواص.. مجرد خمّاس!
.
عروض مهمة
أما العرض هذا فمهم إن صح بالطبع خاصة أن الحكومة عرضت على الفلاحين وأكثرهم من الأميين أن يقوموا بتوظيف المهندسين الزراعيين في مزارعهم مقابل منحة تقدم لهم في إطار سياسة تشغيل الشباب (والشياب)، على أن يرسّموهم كفنيين دائمين! وهو ما لم يحدث، لأن الفلاح والموّال تماما مثل المسؤول في الحكومة يعرف أحسن من غيره ولا يحتاج إلى تلقي دروس من غيره!
فلو حدث هذا لجاء الدور على المرقين العقاريين وليس الذين يرقون على شاكلة الشيخ بلحمر الذي رقى للخضر والزرق في بوركينا فاسو (وفالصو) وفشل، فهؤلاء ومستواهم “الكاتريام والسيزيام” كمستوى المسيرين بشقيهم العموميين والخواص مطلوب منهم بعد أن هرست الحكومة شركات البناء التابعة لها بتوظيف آلاف المهندسين وشبه المهندسين الذين يخلدون إلى راحة إجبارية غير مدفوعة الأجر مثل موظفي الحكومة الفيدرالية في أمريكا بسبب الموازنة، وليس مثل حكومة الجزائر التي لا تتوقف أبدا بسبب شح المال، فقد ينضب أو ينقطع عن الجميع إلا هي!
وبالمناسبة وزيرنا الأول عبد المالك سلال وهو لا يحب الشعراء الذين يهيمون مع الرعيان في كل واد أبلغ البابا أحمد في التربية بأن جماعة الأساتذة والمعلمين صاروا يشكلون عبئا على الحكومة، وكان يفترض أن يضيف إلى هؤلاء جماعة العسكر والبوليس، فعددهم بالتأكيد يفوق عدد الأولين والحاجة إليهم بالنسبة لنظام يرفع سياسة عدم التدخل في شؤون الجيران وشؤون الآخرين أقل من الحاجة إلى معلم!
إلا إذا كان هذا العدد محسوبا ضمن الكتلة الانتخابية التي تقلب الميزان لصالح مرشح النظام، ولو تعبانا ولا يملأ العين! فإذا ثمة ضغطا في موازنة الأسرة التربوية، فهذا بالتأكيد راجع لإهمال الحكومة واجباتها الزوجية بتنبيه الأزواج الجدد والقدامى الغافلين بأن كثرة الإنجاب عقاب من السماء وبلاء (من الأرض)! إن كان الحكام من العيّاب؟ (ومفرده عايب) أي معطوب!
.
الرعيان تعبوا
كيف نحسب ثمن كبش، وقس عليه ثمن أي سلعة أو أي مشروع؟
نقسم وزنه على سعر البيع في السوق، فإذا كان سعر اللحم قياسيا لا يوجد له نظير في العالم، وجاء سعر الكبش بلحمه وشحمه وشعره أكبر من الحساب بالكيلو مرة أخرى فما معنى هذا؟
معناه أن الموّال والمربي يتفلسف في بيعه كما يتفلسف الحمار (وهو بلا مخ أصلا) فمات ودفن، لأنه لا يقوى على ذلك! لهذا يبيعه كليا على كونه مجزءا وافهموا كما تشاؤون الجزار (الجزارين) الذي لا يشبهه إلا الجزارين في قاعات العمليات الجراحية هو الوحيد في العالم الذي يبيع المخ لوحده بعد أن ينزعه من صاحبه، والجزار هو الوحيد متوسطيا على الأقل الذي رفع سعر الكبد إلى مستويات خيالية (لكثرة فوائدها المزعمومة) بعد ما كان التونسي والفرنسي لا يعلم عنها شيئا.
لهذا يخلط هذا بذاك كما يخلط أي شيء مثلما هو حاصل في أعمال الغش المختلفة فيأتي السعر في كتاب غينس للأرقام القياسية ككل أسعار مشاريع الجزائر المفتوحة على طول العام.
وعلميا لم يثبت بأن أكل المخ يولد أمخاخا، فقد يكون العكس، ولم يثبت أيضا بأن آكل الكبد يرفع من درجة الحنان التي تجعل بعضنا يردد أولادنا أكبادنا نمنح لهم علامة عشرين من عشرين ولو كانوا غير فهيمين!
ولنفرض أن راعي القطعان كراعي الأمة متعب ومهموم مع أن له وقتا طويلا يقضيه في كسر عصاه بعد ما لم يجد عملا له غير الرعي أنه جزء من مشكلة رفع الأسعار.. فلماذا يصر الجزارون من أول الزمان في بلاد الرعيان (التي فيها 22 مليون رأس غنم وضعفها تقريبا من قطعان البشر) على بيع الكبش بدون مخ لو لم تكن لديهم نظرية متكاملة وراءها كلمة؟
قد يكون الجواب الذي عرفه هؤلاء، قبلنا جميعا أن هذه البلاد لا تحتاج لأمخاخ، والمطلوب من كل واحد أن يتوب عن إنجاز فكرة واحدة في مخّه قد تكون نافعة للمصلحة (والمسلخة) العامة التي غابت من دائرة الاهتمام بفعل سياسة إعادة التجهيل (والتبهليل) التي يمارسها النظام بأسلوب تصاعدي من عام إلى عام يشهد على ذلك تدحرج مستوى التفكير، والتثقيف والبحث عن الكفاءات التي دون مستوى مخ الفأر الذي سيكلم هذه الدار!