-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
قضى على التسريبات وكبح نشاط ناشري الأسئلة

“قانون العقوبات” بعد 6 سنوات.. هل سيكبح الغش نهائيا؟

نشيدة قوادري
  • 2519
  • 0
“قانون العقوبات” بعد 6 سنوات.. هل سيكبح الغش نهائيا؟
ح.م
تعبيرية

مع اقتراب رنين جرس امتحان شهادة البكالوريا، يعود إلى الواجهة نقاش مجتمعي وقانوني لا يهدأ. لكن هذا العام، لم يعد النقاش مقتصرا على نصائح المراجعة وتهيئة الأجواء النفسية للتلاميذ، بل أضحى يركز بشكل عميق على “خط أحمر” وهو الغش بجميع أشكاله وكيفيات ردعه في نفس الوقت، ومن أجل هذا، فقد جاء القانون رقم 20-06 المعدل والمتمم لقانون العقوبات، ليشكّل ثورة تشريعية حقيقية وزلزالا قانونياً يتربص بكل من تسوّل له نفسه العبث بنزاهة المنظومة التعليمية والامتحانات على وجه الخصوص.
بعد ست سنوات من دخول التشريع الجديد حيز التنفيذ، فقد أجمع فاعلون في الحقل التربوي، في تقييمهم له، على أنه لم يقض على الغش بصفة نهائية، لكنه قلّص بشكل جذري من انتشار ظواهره الخطيرة (مثل التسريبات الواسعة) بفضل طابعه الردعي والعقوبات الصارمة التي تصل إلى السجن النافذ.
وفي مقابل ذلك، فقد اقترح الفاعلون ضرورة مواصلة العمل على تطوير المنظومة الوقائية والتحسيسية للحفاظ على مصداقية الشهادات، ذلك لأن الأمر يتطلب مواصلة اليقظة وتحيين آليات المكافحة، مع الاستثمار أكثر في التربية على القيم والأخلاق المدرسية وترسيخ ثقافة النزاهة والمسؤولية لدى الناشئة، لأن تحدي مكافحة الغش لا يزال قائما.
ومن ثمّ، وما يمكن ذكره في هذا الصدد، أن زمن النظر إلى الغش في الامتحانات على أنه مجرد “سلوك مراهق” أو “حيلة ذكية” عابرة قد ولّى؛ فاليوم، أصبحت الظاهرة تصنف في خانة “الجرائم الموصوفة” التي تمس بالأمن القومي المعرفي وتضرب مصداقية الدولة في الصميم.

من “الفوضى الرقمية” إلى قفص الاتهام.. خلفيات التحوّل التشريعي
وفي الموضوع، تطرق الأمين العام الوطني للنقابة الوطنية لعمال التربية بالنيابة، قويدر يحياوي، في تصريح لـ”الشروق”، بالتفصيل إلى قانون العقوبات الجديد، والذي مرّ على تطبيقه ست سنوات “2020/2026″، بحيث لفت في هذا الشأن إلى أن هذا التشريع لم يقض على الغش في الامتحانات بصفة نهائية، ومطلقة، بل قلّص بشكل جذري من انتشار ظواهره الخطيرة (مثل التسريبات الواسعة) بفضل طابعه الردعي والعقوبات الصارمة التي تصل إلى السجن النافذ.
ومن هذا المنطلق، أبرز المسؤول الأول عن النقابة، أن فعالية هذه الإجراءات والمتمثلة في التعديلات الخاصة بقانون العقوبات تتجلى في النقاط التالية، ويتعلق الأمر “بالردع الشديد”، وعليه وبفضل القوانين الصارمة التي أقرتها الهيئات التشريعية، باتت عقوبات الغش تشمل الحبس، وغرامات مالية معتبرة، مما جعل التفكير في المخاطرة محفوفاً بعواقب وخيمة.
بالإضافة إلى ذلك، فنفس الإجراءات الجديدة المطبقة، قد أقرت “تجريم الأطراف كلها”، وعليه، فالعقوبات لم تعد تقتصر على التلميذ الغشاش فحسب، بل تطال كل من يساهم في العملية من (مؤطرين، مراقبين، أو شبكات خارجية)، مما أدى إلى القضاء شبه التام على “تسريب” المواضيع قبل أو أثناء انطلاق الامتحانات.
وعلاوة على ذلك، فقد ساهم التشريع الجديد أيضا في إخضاع “الفضاء السيبراني” للمراقبة، إذ أوجدت الأجهزة الأمنية إجراءات استباقية لملاحقة وتوقيف مروجي أسئلة الامتحانات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مما أغلق منافذ رئيسية للغش الإلكتروني. لكن السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا لا يزال الغش موجوداً؟ رغم نجاح القانون في حماية مصداقية الامتحانات.
وفي هذا الإطار، أشار الأمين العام الوطني للنقابة، إلى أن الظاهرة لم تختف جذرياً لعدة أسباب، من أبرزها لجوء بعض المترشحين إلى ابتكار وسائل غش فردية دقيقة ومخفية داخل قاعات الامتحان، فضلا عن استمرار التحدي السلوكي لدى البعض، حيث يرتبط الغش بثقافة مجتمعية تحتاج إلى توجيه وتوعية مستمرة داخل المدارس وفي الأوساط العائلية.
وفي ختام حديثه، جزم قويدر يحياوي أن ظاهرة الغش في الامتحانات والمسابقات، تعد من أخطر التحديات التي تواجه المؤسسات التعليمية ونظام التوظيف في الجزائر، كونها تؤدي إلى المساس بنزاهتها ومصداقيتها، الأمر الذي يؤدي، لا محالة، إلى فشل النظام التعليمي والمساس بمبدأي المساواة والجدارة بين المترشحين. وعليه، وفي سبيل حماية نزاهة الامتحانات خصوصا امتحانات نهاية السنة “شهادة التعليم المتوسط وشهادة البكالوريا”، فقد بادر المشرع الجزائري إلى تعديل قانون العقوبات، وذلك بموجب القانون رقم: 20 – 06 الذي أدرج من خلاله نصوص تجرم الاعتداءات الماسة بنزاهة الامتحانات والمسابقات، وذلك للحد من الغش والقضاء على كافة أشكاله، حيث أظهر من خلال هذا القانون صور الجرائم الواقعة على نزاهة الامتحانات والمسابقات، والتي تتنوع وتتخذ إما صورة تسريب أو نشر مواضيع أو أجوبة الامتحانات أو المسابقات وانتحال صفة غير المترشحين.

القانون 20/06.. رسخ تكافؤ الفرص بين المترشحين
ومن جهته، يعتقد عومر بن عودة، الخبير التربوي في تصريح لـ”الشروق”، جازما أن النص القانوني الجديد “قانون العقوبات 20/06″، قد شكّل وبعد ست سنوات من التطبيق، محطة مهمة في مسار حماية مصداقية الامتحانات الوطنية وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.
ومن ثمّ، فقد جاء هذا التشريع استجابة لحاجة ملحة فرضتها التحديات التي عرفها قطاع التربية والتعليم خلال السنوات الماضية، خاصة مع ظهور أشكال جديدة من الغش واستعمال الوسائط التكنولوجية الحديثة في تسريب المواضيع والأجوبة والتواصل غير المشروع أثناء الامتحانات، يشرح محدثنا.
وإلى ذلك، لفت الخبير التربوي إلى أن القانون 20-06، قد ساهم أيضا في إرساء إطار قانوني واضح وصارم يجرّم مختلف الأفعال التي من شأنها المساس بنزاهة الامتحانات والمسابقات، سواء تعلق الأمر بتسريب المواضيع قبل أو أثناء الاختبارات، أو نشر الأجوبة عبر وسائل الاتصال الحديثة، أو انتحال الهوية، أو المشاركة بأي شكل من الأشكال في عمليات الغش المنظمة.
كما منح ذات القانون الجهات القضائية والأمنية الوسائل القانونية اللازمة للتدخل السريع والفعال ضد كل من يثبت تورطه في هذه الجرائم، الأمر الذي عزز من فعالية الردع وساهم في الحد من الكثير من التجاوزات التي كانت تشكل تهديداً حقيقياً لمصداقية الشهادات الوطنية، يؤكد بن عودة.
وأما بخصوص النتائج التي جرى تسجيلها خلال هذه الفترة، شدد محدثنا على أنه قد تم الوقوف ميدانيا على تراجع ظاهرة التسريبات واسعة النطاق التي كانت تثير قلق الرأي العام وتؤثر على السير العادي للامتحانات.
كما أصبح المترشحون وأولياؤهم أكثر وعياً بخطورة الغش وبالعواقب القانونية المترتبة عنه، بعد أن انتقل التعامل مع هذه الأفعال من مجرد مخالفات تأديبية إلى جرائم يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامات المالية.
وهو الأمر الذي ساهم في نشر ثقافة احترام قواعد الامتحانات وتعزيز قيم الاستحقاق والجدارة والاعتماد على الجهد الشخصي في التحصيل العلمي.
وفي الوقت نفسه، نبه عومر بن عودة إلى أنه لا يمكن إرجاع التحسن المسجل في حماية الامتحانات إلى القانون وحده، بل جاء نتيجة تكامل عدة إجراءات تنظيمية وتقنية وتربوية. فقد رافق تطبيق القانون تعزيز إجراءات التأمين داخل مراكز الامتحان، وتكثيف عمليات التفتيش والمراقبة، واعتماد وسائل تقنية للحد من استعمال أجهزة الاتصال الحديثة، إضافة إلى الحملات التحسيسية والتوعوية الموجهة للمترشحين والأولياء والمؤطرين. وبالتالي، فالتكامل بين الردع القانوني والعمل التربوي والتنظيمي، قد أدى إلى رفع مستوى الثقة في الامتحانات الوطنية.

مطالب بالاستثمار في التربية
ورغم هذه المكاسب، يعتقد محدثنا أن تحدي مكافحة الغش ما يزال قائماً، خاصة في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا وظهور وسائل جديدة أكثر تعقيداً تستعمل في التحايل على القوانين والأنظمة المعمول بها. لذلك، فإن المحافظة على نزاهة الامتحانات تتطلب مواصلة اليقظة وتحيين آليات المكافحة بصفة مستمرة، مع الاستثمار أكثر في التربية على القيم والأخلاق المدرسية وترسيخ ثقافة النزاهة والمسؤولية لدى الناشئة، باعتبار أن القانون مهما بلغت صرامته لا يمكن أن يحقق أهدافه كاملة من دون وجود وعي مجتمعي يرفض الغش ويعتبره سلوكاً منافياً للأخلاق ولمبدأ تكافؤ الفرص.
وختاما، فيمكن القول في التقييم العام إن القانون 20-06 حقق أهدافاً مهمة في مجال الردع وحماية الامتحانات الوطنية من محاولات المساس بمصداقيتها، وأسهم في تعزيز هيبة الدولة في تطبيق القانون وضمان نزاهة المسابقات والامتحانات الرسمية. كما أرسل رسالة واضحة مفادها أن النجاح الحقيقي لا يبنى إلا على الاجتهاد والكفاءة والاستحقاق، وأن كل أشكال الغش والتلاعب أصبحت تواجه بإجراءات قانونية صارمة. ومن ثمّ، فإن حصيلة السنوات الست الماضية تبدو إيجابية في مجملها، مع ضرورة مواصلة العمل على تطوير المنظومة الوقائية والتحسيسية والتقنية لمواجهة التحديات المستجدة والحفاظ على مصداقية الشهادات الوطنية ومستقبل المدرسة الجزائرية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!