الرأي

قانون خاص للكفاءات ضرورة عاجلة

محمد سليم قلالة
  • 965
  • 1

تشهد بلادُنا في المدة الأخيرة نزيفا خطيرا في الكفاءات الشابة وفي ميادين مُعيَّنة بالدرجة الأولى. تُنفِق الأسرُ والدولة ما قيمته ملايين الدينارات ليُصبح ابنها اختصاصيا في المعلوماتية أو الروبوتيك أو الجراحة بأنواعها أو المالية والتسيير، أو غيرها من التخصصات التي تتطلب جهودا كبيرة من قِبل الطالب وهيئة التدريس والعائلة. وفي لحظةٍ مُعيَّنة نَعلم أن هذا الاختصاصي أو ذاك غادر البلاد واستقطبته هذه الدولة أو تلك مُوفِّرة له شُروطَ عمل أفضل وإمكانات أكبر ومحيطا يساعده على تطوير مهاراته والانتقال إلى مستويات أعلى فأعلى. ولا نجد سوى الحسرة تملأ قلوبنا، ويملأ قلب هذا الاختصاصي الذي اضطر إلى هذا الخيار اضطرارا عندما وجد نفسه يشتغل بدون الحد الأدنى من شروط العمل وأحيانا لا يشتغل، وبدون الحد الأدنى من الأجر، وأحيانا بدون أبسط الشروط الاجتماعية التي يحتاجها ليس فقط الباحث أو الاختصاصي إنما المواطن في أي مستوى كان، كالسكن والنقل والرعاية الصحية.

ويُعَدُّ هذا الواقع من أكبر التهديدات الداخلية التي تعرفها البلاد قد تساوي أو تفوق التهديدات الأمنية، مما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة في هذا الميدان لوقف النزيف أولا، ثم للعمل على استيعاب الكفاءات التي هاجرت ضمن مخططات التنمية الوطنية المختلفة حتى وإن بقت في الخارج. والبداية ينبغي أن تكون بتبنِّي إستراتيجيةٍ وطنية للعناية بالكفاءات في المجالات الحسَّاسة بالدرجة الأولى، ثم في باقي المجالات. وبسرعة ينبغي إقرار قانون أساسي يحدّد طبيعة المجالات التي ترتبط بها هذه المهن الحسّاسة التي تتصيَّدها الدولُ الأجنبية وعلى رأسها المعلوماتية والذكاء الاصطناعي واختصاصات الجراحة المختلفة، والتسيير المالي للبنوك والمؤسسات، وإدارة الأعمال، وينبغي أن يتضمن هذا القانون إلى جانب إلزامية توفير مجمعات سكنية خاصة لهذه الفئة وسلم أجور قادر على منافسة الأجور الأجنبية وإن اقتضى الأمر مساواته مع الأجور الأجنبية، إعادة الاعتبار المعنوي لهذه الفئة من العلماء ودورها في المجتمع وفي تجسيد مشاريع التنمية الوطنية. وهذا ليس من المبالغة في شيء إذا ما أخذنا أجور بعض إطارات رياضة كرة القدم والرياضيين كمؤشر للقياس والمقارنة والقبول من قِبل الرأي العام. ولا أظن أن أحدا يجادل في أولوية الكفاءات العلمية على هؤلاء لعلمهم بالآثار الإيجابية على المجتمع تطورا وأمنا واستقرارا…

ويمكن لمثل هذه الإستراتيجية الوطنية تجاه الكفاءات في القطاعات الحسّاسة أن تتحول إلى إستراتيجية وطنية عامّة تشمل جميع الكفاءات.
وبهذه الطريقة نضع حدا لاستنزاف هذه الثروة التي لا تُقدَّر بثمن من قِبل دول أجنبية، وفي ذات الوقت نضع حدا لخروج ما حملته معها من خبرة ومعرفة بواقع قطاعات حسّاسة أو إستراتيجية يمكن لقوى أجنبية أن تسعى إلى استغلالها لضرب مصالحنا الوطنية.

أكتب هذا الكلام لِما لاحظته في المدة الأخيرة من ارتفاع وتيرة الانتقال إلى الخارج نتيجة غياب الرعاية اللازمة، أو نتيجة معاملة الكفاءات النوعية بلامبالاة قاتلة في كثير من الأحيان.
وأظن أن الرأي العام الجزائري، لن يعتبر إيجاد قانون خاص لهذه الفئة معاملة تمييزية بين أبنائه، لأنه يعرف حقا معنى تمكين الكفاءات المتميزة من وسائل عمل، وبأن ذلك سيعود عليه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بكل الخير. كما أن الباب يبقى مفتوحا لكافة الباحثين عن التَّميُّز من جميع الفئات الاجتماعية ولا مجال في هذا المستوى لغير الكفاءة، بل المنافسة الشريفة هي الوسيلة الوحيدة للتفوُّق. وفي العلم قواعد المنافسة عادة ما يصعب الغش أو المحاباة فيها، لأنَّ معيار الاختيار واضح: بَيِّنْ لي ما هي مهاراتك لا مَن تكون أو مَن أرسلك… وهذا المقياس وحده من شأنه أن يُحافظ لدينا على مساحة الأمل، بأننا نستطيع أن نفعل شيئا، بل ونستطيع أن نتقدَّم.

مقالات ذات صلة