قبر الدنيا!
الأكيد أن “حي الرملي” بالعاصمة، هو نموذج لأحياء القصدير، التي انتشرت وتفرّخت في كلّ الولايات تقريبا على مدار عدّة سنوات، لكن لأن الأمر يتعلق بعاصمة البلاد، مثلما هو الشأن نفسه بأغلب الدول، فإن هذه “الإمبراطورية” المشيّدة من صفيح، أحاطت نفسها بالقصص والحكايات الغريبة!
أعتقد أن في وهران “حي رملي”، وفي قسنطينة وعنابة والبويرة وبومرداس والجلفة وسيدي بلعباس، وعبر كلّ الولايات، وإن كان بدرجات متفاوتة، لكن تصوّروا كيف أن “البراكة” أصبحت تـُباع وتـُشترى بالملايين، وكيف اقتحم غرباء وبزناسية وتجار مثل هذا “المرافق” التي أصبحت “عمومية” لعدّة سنوات بسبب التأخر في إزالتها نهائيا!
عندما “يقطن” سائقو سيارات أجرة قادمة من عدّة ولايات باتجاه العاصمة، في حيّ الرملي، وغيره من الأحياء القصديرية، فليس صعبا أن يفهم أيّ ساذج هدف هؤلاء وغيرهم من النصابين والطمّاعين الذين يرون أن من حقهم الحصول على شقة في العاصمة!
قصّ علينا صديق حكيم فقال: استفاد نهاية التسعينات، “زوالي” مرح من شقة، لكنه كان غير فرحان، فتعجّب أصدقاؤه وحتى عائلته، وسألوه عن سبب وسرّ هذا التكشير، رغم انتهاء معاناته مع أزمة السكن التي طالت عدّة سنوات، فكان ردّه باردا، مضحكا مبكيا: “والله لو كان ما ندخلش ونبقى في الدار شهر، وتصلني فواتير الماء والكهرباء باسمي.. والله ما راني مآمن”!
مثل هذا التصريح يعبّر بحزن وأسى وألم، عن حجم معاناة آلاف الجزائريين من أزمة ليس من السهل مواجهتها وحلّها وفق قوة سحرية تقول للشيء كن فيكون.. فالنصابون والمحتالون والطمّاعون والسماسرة غير الشرفاء لم يتركوا شيئا لأولاد الحلال!
عمليات الترحيل، سواء في العاصمة أم غيرها من ولايات الجزائر العميقة، وما رافقها وتبعها من “تحرّيات” وغربلة، أكدت ومازالت تؤكد وستبقى تؤكد، حجم المأساة وسطو جزائريين بسطاء على حقّ ونصيب جزائريين آخرين، أحيانا بتواطؤ مسؤولين، وأحيانا أخرى بالتزوير والخداع و”الهفّ”!
عندما تتحوّل “البرّاكة” إلى تجارة مربحة ومسيلة للـُعاب سماسرة العقار وحتى بعض القاطنين، فمن الطبيعي أن تلتهب بورصة الشقق والأراضي ويعمّ التزوير وسرقة طول انتظار وحقّ الآخر في الحصول على “قبر الدنيا”. وهذه هي الطامة الكبرى!
نعم، هناك المئات والآلاف، من نزلاء الأحياء القصديرية، يستحقون سكنا، لكن ناس “ما يخافوش ربّي” تسرّبوا وسطهم، أو باسمهم، لتأميم ما لا يؤمّم أو الاستحواذ على سكن مخصّص أصلا للزوالية!