الرأي

قبر الدنيا‮!‬

جمال لعلامي
  • 4540
  • 0

الأكيد أن‮ “‬حي‮ ‬الرملي‮” ‬بالعاصمة،‮ ‬هو نموذج لأحياء القصدير،‮ ‬التي‮ ‬انتشرت وتفرّخت في‮ ‬كلّ‮ ‬الولايات تقريبا على مدار عدّة سنوات،‮ ‬لكن لأن الأمر‮ ‬يتعلق بعاصمة البلاد،‮ ‬مثلما هو الشأن نفسه بأغلب الدول،‮ ‬فإن هذه‮ “‬الإمبراطورية‮” ‬المشيّدة من صفيح،‮ ‬أحاطت نفسها بالقصص والحكايات الغريبة‮!‬

أعتقد أن في‮ ‬وهران‮ “‬حي‮ ‬رملي‮”‬،‮ ‬وفي‮ ‬قسنطينة وعنابة والبويرة وبومرداس والجلفة وسيدي‮ ‬بلعباس،‮ ‬وعبر كلّ‮ ‬الولايات،‮ ‬وإن كان بدرجات متفاوتة،‮ ‬لكن تصوّروا كيف أن‮ “‬البراكة‮” ‬أصبحت تـُباع وتـُشترى بالملايين،‮ ‬وكيف اقتحم‮ ‬غرباء وبزناسية وتجار مثل هذا‮ “‬المرافق‮” ‬التي‮ ‬أصبحت‮ “‬عمومية‮” ‬لعدّة سنوات بسبب التأخر في‮ ‬إزالتها نهائيا‮!‬

عندما‮ “‬يقطن‮” ‬سائقو سيارات أجرة قادمة من عدّة ولايات باتجاه العاصمة،‮ ‬في‮ ‬حيّ‮ ‬الرملي،‮ ‬وغيره من الأحياء القصديرية،‮ ‬فليس صعبا أن‮ ‬يفهم أيّ‮ ‬ساذج هدف هؤلاء وغيرهم من النصابين والطمّاعين الذين‮ ‬يرون أن من حقهم الحصول على شقة في‮ ‬العاصمة‮!‬

قصّ‮ ‬علينا صديق حكيم فقال‮: ‬استفاد نهاية التسعينات،‮ “‬زوالي‮” ‬مرح من شقة،‮ ‬لكنه كان‮ ‬غير فرحان،‮ ‬فتعجّب أصدقاؤه وحتى عائلته،‮ ‬وسألوه عن سبب وسرّ‮ ‬هذا التكشير،‮ ‬رغم انتهاء معاناته مع أزمة السكن التي‮ ‬طالت عدّة سنوات،‮ ‬فكان ردّه باردا،‮ ‬مضحكا مبكيا‮: “‬والله لو كان ما ندخلش ونبقى في‮ ‬الدار شهر،‮ ‬وتصلني‮ ‬فواتير الماء والكهرباء باسمي‮.. ‬والله ما راني‮ ‬مآمن‮”!‬

مثل هذا التصريح‮ ‬يعبّر بحزن وأسى وألم،‮ ‬عن حجم معاناة آلاف الجزائريين من أزمة ليس من السهل مواجهتها وحلّها وفق قوة سحرية تقول للشيء كن فيكون‮.. ‬فالنصابون والمحتالون والطمّاعون والسماسرة‮ ‬غير الشرفاء لم‮ ‬يتركوا شيئا لأولاد الحلال‮!‬

عمليات الترحيل،‮ ‬سواء في‮ ‬العاصمة أم‮ ‬غيرها من ولايات الجزائر العميقة،‮ ‬وما رافقها وتبعها من‮ “‬تحرّيات‮” ‬وغربلة،‮ ‬أكدت ومازالت تؤكد وستبقى تؤكد،‮ ‬حجم المأساة وسطو جزائريين بسطاء على حقّ‮ ‬ونصيب جزائريين آخرين،‮ ‬أحيانا بتواطؤ مسؤولين،‮ ‬وأحيانا أخرى بالتزوير والخداع و”الهفّ‮”!‬

عندما تتحوّل‮ “‬البرّاكة‮” ‬إلى تجارة مربحة ومسيلة للـُعاب سماسرة العقار وحتى بعض القاطنين،‮ ‬فمن الطبيعي‮ ‬أن تلتهب بورصة الشقق والأراضي‮ ‬ويعمّ‮ ‬التزوير وسرقة طول انتظار وحقّ‮ ‬الآخر في‮ ‬الحصول على‮ “‬قبر الدنيا‮”. ‬وهذه هي‮ ‬الطامة الكبرى‮!‬

نعم،‮ ‬هناك المئات والآلاف،‮ ‬من نزلاء الأحياء القصديرية،‮ ‬يستحقون سكنا،‮ ‬لكن ناس‮ “‬ما‮ ‬يخافوش ربّي‮” ‬تسرّبوا وسطهم،‮ ‬أو باسمهم،‮ ‬لتأميم ما لا‮ ‬يؤمّم أو الاستحواذ على سكن مخصّص أصلا للزوالية‮! ‬

مقالات ذات صلة