قبل فوات الأوان..
.. وأخيرا تحركت “الدولة” نحو الجنوب الكبير، في محاولة استباقية لاحتواء غضب وتململ السكان جراء مظاهر التهميش والإقصاء في مختلف مجالات التنمية وخاصة الشغل، لاستكمال العمل الجاري في صمت للقضاء على أي إحساس بالتمييز والتهميش في توزيع الثروة، من خلال مشاريع وورشات ضخمة ترفع الغبن عن المنطقة، وتدمجها في مسار التنمية الوطني، وإبطال إغراءات الانجذاب إلى أهداف أخرى مشبوهة، ومن ثمة تدعيم الجدار الوطني لمواجهة أي تهديد يستهدف زرع البلبلة باللعب على هذه الأوتار، أو تلك المتعلقة بالعرق واللغة والجغرافيا، وخاصة في ظل تداعيات التدخل العسكري الفرنسي في شمال مالي على المنطقة ككل.
ولكن المهم هذه المرة، ليس عقد لقاءات جهوية في غرداية، أدرار، أو ورڤلة أو إليزي، أو تمنراست، وينتهي الأمر بطي أوراق الاجتماع، أو الإعلان عن قرارات مركزية تخص مسألة التشغيل والسكن والتموين بالطاقة في مناطق الجنوب، وخاصة فيما تعلق بالمحطات البترولية، وتعترف بأحقية وأولوية السكان المحليين، ولكن المطلوب هو محاربة البيروقراطية القاتلة وتحقيق الملموس في الميدان، والاقتراب أكثر من هموم وانشغالات المواطن هناك، وذلك على منوال مبدأ “سد الذرائع” في الفقه الإسلامي، خاصة وأن البلاد تكاد تختنق ببحبوحتها المالية.
فمن السذاجة أن يعتقد أحد أن عملية تيڤنتورين الإرهابية، كانت حدثا عارضا أو أمرا عاديا ومحدودا، وخاصة ظروف تسلل الإرهابيين إلى غاية عين أمناس، مهما كانت الدولة التي جاؤوا منها، بل إنذار مبكر قبل فوات الأوان، يجب أن تستوعبه وتتلقفه السلطات العمومية والمجموعة الوطنية، ككل بحجمه الحقيقي وأبعاده الخطيرة، وعلى رأسها حماية الأمن القومي، خاصة وأنه يأتي بعد إنذارات سابقة، واحتجاجات عارمة لا تنتهي في محيط المناطق الصناعية ومركبات إنتاج المحروقات، التي فتحت الباب أمام تعبيرات ساخطة لسكان الجنوب، ذهبت إلى حد تهديد تماسك الوجدان الوطني، وتفضّل البرلمانيون بنقلها مادة خاما إلى جلسات علنية في البرلمان، وكذلك فعلت العديد من قوى المجتمع المدني، الكل ينبّه إلى حيوية اكتساب ثقة المواطن المحلي، الفاعل الحقيقي في المنطقة الصحراوية المترامية الأطراف والمحتكة بأقوام أخر.
إن تدخل الجيش الوطني الشعبي القوي في آخر لحظة، وعن طريق قوة خاصة، يكشف المؤامرة الإرهابية قبل تنفيذ سيناريو الاختطاف كاملا بنقل الرهائن إلى مناطق خارج الحدود، والقضاء على المختطِفين بعيدا عن منطق المساومة والابتزاز، لاتسعت دائرة الأطماع، وتحولت مخاوف ومخططات استهداف الجزائر، من خلال ما يجري في مالي إلى حقيقة مرة، ولشجّعت حادثة تيڤنتورين مبررات التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي، بدعوى حماية الرعايا الأجانب وحتى حقول النفط، ومصالح الشركات الأجنبية واستثماراتها، وهو ما سعت إليه أطراف كثيرة بعد حادثة عين أمناس، والتي تظاهرت بالاحتجاج على عدم إخطار العواصم الغربية المعنية بالرعايا المحتجزين بعملية الهجوم على الخاطفين، لتنتهي بالتدخل في القرارات السيادية في نهاية المطاف.
الأمر جلل، كل حدودنا أصبحت ملتهبة بالإرهاب، اللاأمن، التهريب، ومناورات استخباراتية لم تعد مصادرها ونواياها خافية على أحد، هدفها الالتفاف على هذا البلد القارة، الأكبر إفريقيا، متعدد الأعراق والثقافات، الرافض لكل وصاية أو انخراط أعمى في مخططات الاستعمار الجديد، وتقليم أظافره، من خلال حشره في زاوية “الدفاع عن النفس” لا غير، ولم لا تمزيقه على غرار ما يحدث في الجوار العربي والإفريقي، نكاية في مواقفه “التحررية”، ولعله من أضعف الإيمان ونحن في هذا الموقف “الصعب” أن نسد الثغرات ونتواصل مع كل بقعة، ونعيد نسج ما تمزّق بالاستثمار في الإنسان قبل فوات الأوان.