الرأي

قبل أن يأكلنا الصدأ!

جمال لعلامي
  • 2939
  • 2

ككلّ سنة، تعرف الأجنحة المخصصة لكتب “الطبخ” تهافتا من قبل الزوار، سواء من العنصر النسوي أو حتى الرجالي، وهذا إن دلّ فإنما يدلّ على أن المجتمع الجزائري أصبح “مستهلكا” أو “استهلاكيا” بكلّ المقاييس، لكن الأمر الملفت للانتباه كذلك، في معارض الكتب، هو أن فئات واسعة تستغلّ هذه المناسبات الأدبية والفكرية والعلمية، بغرض “التحواس والتشماح” وتفويت الوقت، بين رفوف الكتب والعارضين!

هل مازال فعلا “خير جليس في الأنام كتاب”؟ هل مازلنا نطالع ونصادق الكتب ونرافقها أو نتركها ترافقنا في الرحلات والسفريات؟ أم أن حالها من حال كل ما هو مكتوب يكاد ينقرض، أو أصبح قاب قوسين أو أدنى من الانقراض، بسبب هذه الانترنت والتكنولوجيا التي “أكلت” الكتب والمجلات والجرائد، وهدّدت “المسترزقين” فيها ومنها في لقمة عيشهم، أو على الأقلّ دفعت بهم إلى التكيّف والبحث عن البديل!

قد تكون “صفائح” اللوحات الإليكترونية (التابلات) وهواتف “الديجيتال” ومختلف الأجهزة الذكية، أصبحت هي بديل الكتاب والمجلة والجريدة، وليس في ذلك عيب أو نقيصة، وإنما الأمر يتعلق باختراع تكنولوجي جديد، يفرضه التطور العلمي والثقافي والإعلامي والاتصالي، حيث لا مكان إلاّ للسرعة والدقة والفورية، في نقل المعلومة والتحليل والتعليق والرأي والبحوث !

من الطبيعي أن تهدد التكنولوجيا ممثلة في الايمايلات و”الفايسبوك” و”تويتر” و”الأنستغرام” و”الفايبر” وغيرها من الوسائط الأخرى عبر الانترنت ولواحقها من الأجهزة، تهدد “القلم” وكلّ ما هو مكتوب على الورق، فلكلّ زمان جيله، ولكلّ جيل أفكاره واختراعاته واكتشافاته، لكن الخطير في أيّ تطور، هو أن ينحرف عن مساره العلمي والثقافي والتواصلي!

نعم، الانترنت هي التي سهّلت عمليات “الجوسسة” والاختراق والاطلاع على أسرار البيوت والناس والمؤسسات والأحزاب والشركات والجامعات، والأكثر من ذلك، فقد تسللت حتى إلى “غرف النوم” وفضحت العلاقات الزوجية، وشجارات الأزواج، وقتلت “صلح الرحم”، وفرضت “رسائل الـ sms” بديلا لها في مجتمعات جديدة تكاد تكفر بالزيارات العائلية وكلّ ما له صلة بالتعاملات الإنسانية بين الأفراد والمجموعات!

صحيح أن التكنولوجيا اختزلت المسافات، وقرّبت الأهداف، وقلـّصت الجهد، وأراحت الموظفين والمسؤولين والمواطنين والمثقفين والإعلاميين وغيرهم، من العناء والتعب و”تضييع الوقت”، لكنها وأدت أيضا “روح الإنسان” في الإنسان، وحوّلته إلى آلة، ستتعطّل يوما عندما تتآكل قطع غيارها أو يُصيبها الصدأ!

مقالات ذات صلة