الرأي

قبل فوات الأوان

محمد سليم قلالة
  • 2215
  • 7

ينبغي أن نتوقف عن بناء سياساتنا المختلفة على شكليات الأمور، ونعتبر أن الانتصار في معركة الشكليات هو قِمّة الأداء السياسي والعمل الميداني. ومن بين هذه الشكليات اعتبار أن الأولوية في قطاع التربية هي تقديم أو تأخير البكالوريا، والأولوية في قطاع الصحة هي محاصرة داء “بوحمرون”، والأولوية في قطاع التجارة هي تقليص فاتورة الاستيراد، والأولوية في مجال النقل هي تمكين الخواص من شراء حافلات بقروض دون فوائد، والأولوية في الجانب السياسي هي بناء ديمقراطية شكلية.. وقس على ذلك مختلف القطاعات…

علينا أن نتوقف عن تغليط أنفسنا بهذه الأولويات الوهمية، ونضع أنفسنا وجها لوجه أمام الحقيقة الساطعة التي تقول: إننا لا نعرف أي نوع من الناشئة نحن اليوم بصدد تكوينه، ووفق أيِّ قيمة، وإلى زمن نحن بصدد تحضيره، وماذا سيكون عليه بعد عقدين من الزمن؟ وهل هناك هدفٌ استراتيجي واضح لنوعية الجيل الذي تُكوِّنُه المنظومة التربوية اليوم؟ أم إنه علينا أن نكتفي بتسيير الإضرابات والكتاب والكراسي والطاولات ومواعيد البكالوريا، ولتنتج هذه المدرسة ما أنتجت، جيل هجين يحمل قيماً مشتركة أو لا يحمل، لديه تربية معينة أو لا يمتلك، بإمكانه الحفاظ على تماسك دولته ومجتمعه في المستقبل أو ليس بإمكانه ذلك، هذه مسائل تُعَدُّ ثانوية وليس لمسؤولينا الوقت الكافي للتفكير فيها.

وقِس على ذلك قطاع الصحة، هل نُدرك أن منطومتنا الصحية متخلفة إلى درجة كبيرة وتحتاج إلى مراجعة كلية لتواكب ما يجري في العالم، أم إن كل أهدافنا الاستراتيجية هي كيف نوفر الدواء ونبني بعض المرافق ونعالج المشكلات يوما بيوم؟ هل يدري مسؤولو هذا القطاع أن المشكلة ليست في كفاءة الأطباء ولا في نوعية العتاد، ولا في المرافق رغم أهميتها، إنما في نوعية المنظومة الصحية المهترئة التي مازالت إلى حد الآن تُسيَّر بطرق تقليدية عفا عنها الزمن؟ أين الرؤية في هذا المجال؟ أم إن مشكلة الأطباء المقيمين قد غطت عليها ويكفي “فبركة” تسوية لها، ولمرض”بوحمرون”، لنقول بأن الأمور بخير؟

لا يتسع المجال في هذه المساحة لإبراز أننا في حاجة إلى إعادة النظر في خياراتنا الاستراتيجية المختلفة، والتوقف عن المُكَابرة بأننا دوما على الطريق الصحيح. ليس عيبا أن نتوقف لنقول إن السياسات الترقيعية في مختلف المجالات لا تصنع استراتيجية، وإنه من الوطنية اليوم، ومن باب إعادة الأمل للناس، أن تكون لنا الشجاعة لنقول إن الكثير من الخيارات الكبرى لم تكن صحيحة أو قد استنفدت جدواها منذ سنوات، وعلينا استبدالها بخيارات أخرى. والوقت لا يرحم إذا لم نُسارع إلى إعادة توجيه مسار الدولة والمجتمع توجيها صحيحا ملائما للتطورات الحاصلة في العالم مادام الأمل قائما، وما دمنا لم نصل بعد إلى مرحلة نقول فيها: قد فات الأوان.

مقالات ذات صلة