العالم
رسالته الأخيرة كانت موجعة

قبل نهاية العام.. أسرار جديدة تُكشَف عن صاحب اللثام!

نادية شريف
  • 3610
  • 0
ح.م
الشهداء أبو عبيدة وأبناؤه يمان وليان ومنة الله

يبدو أن العام 2025 أبى أن يرحل دون أن يُميط اللثام عن شخصية الناطق الرسمي باسم كتائب القسام، صوت غزة والمقاومة، حذيفة سمير الكحلوت، المعروف بـ “أبو عبيدة”، الذي لطالما ارتبط اسمه بالغموض والجدل، وظلت هويته خفية لأزيد من عقدين.

كان الظهور الأول لـ “أبو عبيدة” في إصدارات مرئية خاصة بحركة حماس بين عامي 2002 و2003، عُرّف فيها بأنه “قائد في كتائب القسام”، وفقا لعديد التقارير الإخبارية التي سارعت لعرض مسيرته النضالية مباشرة بعد الإعلان عن ارتقائه شهيدا.

كتائب القسّام تعلن رسميا استشهاد “أبو عبيدة”

بدأ تركيز الأضواء على “أبو عبيدة” حين عقد مؤتمرا صحفيا في مسجد النور شمال قطاع غزة أثناء معركة أيام الغضب في أكتوبر 2004، حيث أطل على الصحفيين مرتديا قناعا أسودا وعاقدا عصابة خضراء على رأسه تحمل شعار كتائب القسام.

تحدّث خلال المؤتمر عن مجريات المعركة وأبرز عمليات المقاومة فيها، مستعرضا بعض الأسلحة التي استخدمتها، وبقايا الآليات التي دمرتها، ليحقق بعدها نجاحات باهرة بحضوره القوي وصوته الشجي، وصفات أخرى حميدة جعلته قريبا من قلوب الملايين عبر العالم.

في عام 2006 أعلن عن تمكن كتائب القسام من أسر الجندي جلعاد شاليط، وقالت التقارير الفلسطينية مرارا أن “وجه أبو عبيدة لا يعرفه سوى قليلون، ولم يظهر لوسائل الإعلام مكشوفا أبدا، ومنذ سنوات وجيش الاحتلال يحاول بشتى الطرق الوصول إليه، بعدما عجزوا عن تحديد هويته وملامح وجهه”.

صاحب اللثام والنجومية التي لم يطلبها!

صنع القائد الشهيد لنفسه نجومية من نوع فريد.. نجومية لم يطلبها ولم يسع وراءها، لكنها تحمّل من خلَفه في المنصب مسؤولية كبيرة في إيصال صوت غزة والمقاومة إلى العالم الأصمّ الذي يقف متفرجا على معاناة شعب ارتكبت في حقه أبشع المجازر ولا يزال متشبثا بالأمل لآخر لحظة.

تحمل بعد عملية “طوفان الأقصى” مخاطر الظهور بإطلالات مهيبة، مرتديا زيا عسكريا مموها، ومقنعا بالكوفية الحمراء وعلى جبينه عصبة خضراء عليها اسم “كتائب القسام”، وصار الكل يترقب خطاباته، ويتساءل ماذا سيقول وماذا سيعلن؟.. حتى الصهاينة كانوا يصدّقونه ولا يصدّقون رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أو الناطق الرسمي باسم الاحتلال أفيخاي أدرعي.

وبحسب خبراء ونشطاء، كانت كلمات “أبو عبيدة” “قاتلة للعدو كالرصاص”، حيث جعلته فصاحته مقاوما على جبهة الإعلام العسكري، أما يقينه الذي تعكسه كلماته الثابتة والموحدة فأدخله القلوب بلا استئذان، لدرجة أن خاتمته الشهيرة “وإنه لجهاد.. نصر أو استشهاد” أصبحت وسما منتشرا.

“جنائز جنودكم ستصبح حدثا دائما”.. أبو عبيدة يتوعد جيش الاحتلال

هذا ما قاله أسيد الكحلوت شقيق “أبو عبيدة”!

كشف أسيد الكحلوت شقيق “أبو عبيدة”، تفاصيل إنسانية وشخصية من حياة الرجل الذي عرف بصوته وبياناته، أكثر مما عرف بملامحه، موضحا أنه كان رمزا لجيل كامل من المقاتلين، مؤمنا بأن القادة يخلفون من يحمل الراية من بعدهم.

وقال أسيد لبرنامج المسائية على الجزيرة مباشر، إن غزة تلقت خبر استشهاد “أبو عبيدة بألم شديد وفخر كبير في آن واحد”، واصفا شقيقه بـ”ناطق الأمة العسكري” الذي صدح بصوت الحق والكرامة، ومؤكدا أن الفقد لا يخص عائلة بعينها، بل يمتد إلى عموم الفلسطينيين وأنصار المقاومة.

وعن شخصية شقيقه بعيدا عن المنابر والبيانات العسكرية، قال إنه “كان إنسانا هادئا، متدينا، شديد الارتباط بالقرآن الكريم. حفظ القرآن منذ صغره، وجعل من بيته مدرسة قرآنية، حيث أتم ابنه الأكبر حفظ القرآن كاملا، فيما حفظت ابنتاه ليان ومنة الله القرآن خلال الحرب الأخيرة، رغم ظروف القصف والحصار، مؤكدا بأنه كان بارا بوالديه، محبا لأسرته، ويستشهد بالقرآن في نصحه وتوجيهه، حتى في أدق تفاصيل الحياة اليومية.

وعن تهديدات الصهاينة المتكررة باغتياله، يقول أسيد إن “أبو عبيدة” كان يدرك منذ البداية أن الطريق الذي اختاره لا ينتهي إلا بأحد خيارين: “نصر أو استشهاد”، وهي العبارة التي اعتاد ترديدها في ختام خطاباته، مضيفا أن هذا الوعي لم يكن مصدر خوف، بل دافعا لمواصلة ما كان يعتبره واجبا، على خطى قادة سبقوه وواجهوا المصير ذاته.

وأشار إلى أن رسائل شقيقه لم تكن موجهة لغزة أو فلسطين فقط، بل للأمتين العربية والإسلامية، انطلاقا مما كان يراه معركة تمس العقيدة والقدس والمسجد الأقصى، حيث كان يعتبر الدماء التي سالت في غزة مرتبطة بالدفاع عن مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان يتمنى أن يكون التفاعل الشعبي والرسمي أوسع، خاصة في خطاباته الأخيرة.

“فضحوا أنفسهم”.. كيف اغتال الصهاينة أبو عبيدة “الهارب إلى تركيا”؟

متى كشف الاحتلال هويته الحقيقية؟

في أكتوبر 2023 زعم الصهاينة أنهم اكتشفوا هوية “الملثم” الحقيقية، حيث استخدم أفيخاي أدرعي، الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، أسلوب التشويق للإعلان عن ما أسماه بـ “القنبلة الإعلامية”، وقال في تغريدة حينها عبر حسابه على منصة إكس إنه سينشر “شيئا يحاول المدعو أبو عبيدة إخفاءه”.

ونشر تغريدة بعدها بساعات مرفقة بفيديو يعرض صورة لأبي عبيدة ملثما ثم صورة أخرى لرجل من دون لثام، زاعما أنه نفسه، وكتب: “#عاجل هذا هو المدعو حذيفة كحلوت الذي يتستر وراء كنية أبو عبيدة وهو يتستر كذلك وراء كوفيته الحمراء. تمامًا مثلما تتستر حماس وراء المنشآت المدنية لإطلاق القذائف الصاروخية باتجاه إسرائيل”.

وقالت تقارير إخبارية إن الصورة التي نشرها أدرعي على أنها لـ “أبو عبيدة” هي نفسها التي كشف عنها جيش الاحتلال منذ سنوات، ونفت صحتها كتائب القسام.

وفي العام 2014، عرضت قناة “الأقصى” التابعة لحركة “حماس” صورة قيل إنها لـ”أبو عبيدة” مع نشر اسمه الكامل “حذيفة سمير عبد الله الكحلوت”، لكن كتائب القسام نفت صحة الصورة حينها متحدثة عن اختراق استخباراتي “بإيعاز من الشاباك بعدما تم تزييفها وتركيبها كما لو أن الشخص المتحدث فيها كان يتحدث عبر قناة الأقصى”.

وقالت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” إن ادعاء الجيش الإسرائيلي ليس جديدا، حيث كان قد كشف سابقا عن هوية أبو عبيدة في عام 2014، مضيفة أن “قرار القيام بذلك مرة أخرى قد يكون تهديدا ضمنيا للرجل”.

الكشف عن هوية “أبو عبيدة”.. هذه حقيقة القنبلة الإعلامية التي روج لها جيش الاحتلال!

أسماء كثيرة توحي بعدم الجزم!

روّج ذباب الصهاينة عبر منصات التواصل الاجتماعي منذ سنوات لمزاعم أن الداعية الفلسطيني صهيب الكحلوت هو نفسه أبو عبيدة، بالإضافة إلى أسماء أخرى، مثل سمير عبد الله الكحلوت المقيم في قطر، وماهر أبو سيف الذي قيل إنه قُتل في غزة، ما يوحي بأن الاحتلال لم يكن متأكدا تماما من هويته الحقيقية رغم الحديث عن حذيفة الكحلوت.

وباستشهاد الملثم الحقيقي “حذيفة الكحلوت” تبين أن صهيب الكحلوت شقيقه، وهو السبب الذي دفع الاحتلال وأذرعه الإعلامية إلى ربطه بأبي عبيدة، خاصة وأن بينهما تشابها نسبيا في نبرة الصوت وبعض الصفات الجسدية.

لماذا يروّج ذباب الصهاينة بأن “صهيب الكحلوت” هو “أبو عبيدة”؟

وقال صهيب في نعي أخيه الشهيد: “أخي الحبيب حُذيفة، أقرب الناس إلى قلبي وفكري وعقلي، هو أخي الذي يصغرني في السن مباشرة، لكن عظمته في نفسي أعظم وأكبر.. أشعر بها من صميم قلبي، واليوم ألهج بها وأكتب عنها”.

وأضاف: “كُنتُ قريبا جدا منه في الصغر، فهو صديق الطفولة والفتوة في الغُربة، كنا نحفظ القرآن معا، نتدارس معا، ننام متجاورين، نلهو كثيرا معا، نتنافس ونتشاكس، نخرج في الرحلات واللقاءات و”الشقاوات معا” لكنه شب عن الطوق مُبكرا، وانشغل عنا في مرحلة الثانوية والجامعة، ثم انشغل كلُ منا بما كان يحمله من هم..”.

وتابع: “كنت أقتنص من وقته اللحظات لأحادثه، وربما عاد من مهماته منهكا متعبا، فأصحو صباحا فلا أجده.. إلى أن تطور عمله وتزاحمت مهماته، وفرضت ظروف عمله عليه قلة اللقاءات، وقد كان كتوما جدا، لا نعرف عنه شيئا”.

وأردف: “لقد كنت أؤمل انتهاء الحرب لأجالسه وأسامره، فقد كنت لشدة شوقي إليه أراه في منامي كثيرا وأعانقه وأقبله، لكن حالت دوننا الظروف والحوائل.. فرحت برسالة خطية منه قبيل استهدافه بفترة قصيرة يسأل عني وعن أحوالي، وكان مما كتبه لي: “دعائي لك لا ينقطع”.

وختم تدوينته: “لم أشبع منك في حياتي يا حبيبي، رحلت سريعا، فبكيتك كما لم أبك أحدا قبلك، فهل لنا لقاء؟ اللهم اجمعنا في جنتك ودار كرامتك”.

زوجة نازحة وأطفال جوعى…

في واحدة من أكثر اللحظات إيلاما في الحديث عن أبي عبيدة، كشف أسيد الكحلوت أن شقيقه استشهد برفقة زوجته و3 من أبنائه في اليوم ذاته، في حين نجا ابنه الأكبر “إبراهيم”، مؤكدا أن التفاصيل الأخرى لدى الجهات المختصة.

وليلة السبت 30 أوت هزّت أنباء اغتيال أبو عبيدة، العالم العربي، بعد أن نقلت وسائل إعلام عبرية أن غارة جوية دقيقة استهدفته، لكن حماس لم تعلن استشهاده، فيما تم الإعلان عن ارتقاء زوجته إسراء وأبنائه الصغار ليان ويمان ومنة الله.

وتحدث الناشط الفلسطيني “أبو مُعاذ العسقلاني” عن زوجة “الملثم” قائلا إنها قضت وأولادها الحرب بطولها بعيدةً عن الجميع مقطوعاً الاتصال فيها حتى قيل أنها استشهدت وفُقدت جثتها، والحال أنها كانت نازحةً حالها حال عامة الناس بل والله أشد”.

وأضاف: “مرَّت عليها الليالي كما قيل لا تُغذي أبناءها إلا بآيات الله تصبراً حتى حفظت طفلتها “منة الله” كتاب الله عز وجل أثناء الحرب قبيل الهدنة، ولم تكن لا في قصور عاجية ولا هاربةً من المذبحة ولم يؤمِّن مسكنها ولا مأكلها ولا مشربها أحد حالها حال كثيرٍ من نساء القادة وعائلاتهم”.

“أبو عبيدة” لم يمت حتى وإن أكد الاحتلال اغتياله.. وهذا مصير زوجته وأبنائه!

وللشقيقة رأي!

نعت سندس الكحلوت، شقيقها أبو عبيدة بعد إعلان الكتائب استشهاده بقولها: “ولا تحسبنَّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء ولكن لا تشعرون”. اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرًا منها.. أخي وحبيبي وحبيب الأمة كلها، القائد المجاهد حذيفة سمير عبد الله الكحلوت، صاحب الكلمة القوية والطلة البهية، شهيدا في سبيل الله، هو وزوجته وأبناؤه”.

وأضافت: “والله إن مصابنا ومصاب الأمة فيك جلل يا حبيبي… أنت القائد المختلف، والرجل الحليم الحكيم، صاحب القرارات الصائبة والكلمات الصادقة”، مشيرة إلى أن لقاءها به خلال عامين من الحرب لم يتجاوز “حضنًا وسلامًا لدقائق معدودات”.

واختتمت: “عزاؤنا أن لنا لقاء في جنات النعيم، حيث الفرح الذي لا يتسلله حزن، واللقاء الذي لا فراق بعده”.

“أنتم خصومنا أمام الله”.. الرسالة الأخيرة للقائد الكبير

في 18 جويلية 2025، وفي ذروة العدوان على قطاع غزة، أطل “أبو عبيدة” بعد أشهر من الغياب الإعلامي، ليتحدث عن مجريات الحرب وإستراتيجية المقاومة وملف المفاوضات، لتكون تلك الكلمة المصورة آخر ظهور إعلامي له.

وبعدما استنهض الأمة مرارا حتى بح صوته وقوبلت دعواته بمزيد من التخاذل والتراخي، واستصرخ ضميرها تكرارا حتى أضنته الاستغاثة، خرج، معاتبا الأمة والأنظمة الحاكمة وشاكيا تواطؤهم وموجها لهم انتقادا حادا ومختصمهم أمام الله.

وقال أبو عبيدة في كلمة مصورة هي الأولى له منذ مارس 2025 “يا قادة أمتنا، بنخبها وأحزابها وعلمائها، أنتم خصومنا أمام الله عز وجل، أنتم خصوم كل طفل يتيم، وكل ثكلى، وكل نازح ومشرد ومكلوم وجريح ومجوع”.

وأضاف: “إن رقابكم مثقلة بدماء عشرات الآلاف من الأبرياء الذين خذلتموهم بصمتكم”، مؤكدا أن “الاحتلال لم يكن ليرتكب الإبادة إلا وقد أمن العقوبة وضمن الصمت واشترى الخذلان”.

يذكر أن حذيفة سمير عبد الله الكحلوت -المَكْنيُّ بأبي إبراهيم المشتهر بـ”أبو عبيدة”- من مواليد عام 1984، لأسرة فلسطينية تنحدر من قرية نِعليا جنوب غربي من المجدل، ونزحت أسرته بعد النكبة عام 1948 لتستقر في جباليا شمالي قطاع غزة.

نشأ في مخيم جباليا، وتلقى تعليمه الأساسي في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ونشط في الكتلة الإسلامية، الذراع الطلابي لحركة حماس، وتخرج من الثانوية العامة بتفوق من الفرع العلمي عام 2002.

بدأ دراسة الهندسة قبل أن يتحوّل إلى الدراسات الشرعية في كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة، التي نال فيها درجة الماجستير من قسم العقيدة عام 2013، عن رسالته التي حملت عنوان “الأرض المقدسة بين اليهودية والمسيحية والإسلام”.

التحق مبكرا بصفوف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، وبرز دوره داخل جناحها العسكري “كتائب القسام”، متدرجا في المهام الميدانية والإعلامية.

شغل منصب رئيس دائرة الإعلام العسكري في القسام، حيث أشرف على أقسام عدة، منها التوثيق والتصوير، والعمليات النفسية، وإدارة المنصات الإعلامية، وإصدار البيانات المرئية والمكتوبة، كما كان مقربا من القائد محمد الضيف.

ووفقا لمصادر فلسطينية وعبرية، فقد تعرض لعدة محاولات اغتيال، وقصفت مقاتلات صهيونية منزله أكثر من مرة، بداية من الحرب الأولى على القطاع في عام 2008، مرورا بحربي 2012 و2014، ليرتقي شهيدا يوم 30 أوت 2025.

مقالات ذات صلة