الرأي

قتل السوريين بأساطير الأولين والآخرين

حبيب راشدين
  • 2302
  • 0

احتضنت، أمس، فيينا أغرب لقاء سياسي دبلوماسي، قيل إنه خُصّص للبحث عن مخارج للأزمة السورية، حضره رموزٌ من محوري الشر المتنافسين منذ خمس سنوات على قتل الشعب السوري مباشرة أو عبر الوكلاء، فجاء الأمريكيون بفريقهم الأوروبي وعربهم وعجمهم، فيما استدعى الروس حلفاءهم من العرب والعجم، وغاب المقاتلون على الأرض من الجيش السوري والميليشيات الشيعية الحليفة، كما غاب المقاتلون من المعارضة من “الجيش الحر” و”النصرة” و”داعش”…

الاجتماع أريد له أن يكون خارج إطار مؤسسات ما يسمى بـالشرعية الدولية، فغابت الأمم المتحدة، كما غُيِّبت الجامعة العربية، وحضر الطليان، والألمان، والإسبان، والفرنسيون، ومن العجم حضر الأتراك والإيرانيون، ومن العرب حضر من أتباع الأمريكان: السعوديون، والقطريون والأردنيون، ومن الحلف الروسي: حضر اللبنانيون، والمصريون، في توليفةٍ تذكرنا بتقسيم العالم العربي والإسلامي زمن الحرب الباردة.

جميع الدول المشاركة، شاركت بطريقة أو أخرى في قتل السوريين، وكل بلدٍ له مصلحة في توفير الظروف المناسِبة لاستدامة القتل، وقد تقاطعت مصالحُهم عند هدم هذا البلد العربي العريق، كما تحالفوا من قبل في هدم العراق.

اللقاء يأتي لتحقيق التنسيق السياسي بين المتورطين في الدم السوري، بعد أن شكلوا ميدانيا هيئاتٍ تنسيقية توزع ساحات قتل السوريين بين طيرانهم وميليشياتهم على الأرض، وهو قتالٌ مرغوب فيه، قد أنقذ الولايات المتحدة من تبعات هزيمتها النكراء في العراق على يد المقاومة العراقية، التي لبست لاحقا رداءالدولة الإسلامية، وجاءت الفتنة السورية لتعيد فتح المشرق للدبّ الروسي، الباحث عن مياهٍ ساخنة، فيما تبقى الساحة السورية أفضل بوّابة لتمرير التمدد الصفوي الإيراني، وهي عند الأتراك بوابة لا غنى عنها للعثمانيين الجدد لتحقيق طموحاتهم في استعادة ولايتي الموصل وحلب في الحد الأدنى، وهي فوق ذلك ساحة استقطاب للشباب العربي والمسلم المتأثر بالأفكار الجهادية، سوف يصرفه القتالُ في سوريا عن التفكير في فتح جبهات له في الغرب والشرق.

فكيف نتوقع من دولٍ لها كل هذه المصالح في استدامة القتال في سوريا، أن تتوافق على صناعة مخرج سلمي للنزاع السوري، وقد علمنا أن المصالح وحدها هي من يقرر خيارات الدول وسياساتها؟ لا عجب إذن من قيام تحالف عالمي بين محوري الشرّ، خاصة في ساحة مشبّعة بالأساطير مثل الشام؛ حيث ينتظر النصارى والروم عودةالمسيح المخلّص، ويستشرف الشيعة خروج المهدي المنتظر، واليهود خروجالمشيخ، وتحضِّرداعشلمعركةدابق، وفيها يرى المسيحيون الصهاينة قيام معركةهرمجدون“!

ما هو مؤكد أن الدول المتورطة في الدم السوري، والمجتمِعة في فيينا أمس، قد ساهمت من قبل في تخريب وساطة الجامعة العربية، ثم أفسدت جهود مبعوثي الأمم المتحدة: عنان والإبراهيمي، وقد وضعت اللقاء خارج مظلّة الشرعية الدولية، حتى يتسنى لها صياغة ورقة توافق آثمة تحقق لها أمرين: استدامة قتال قد تقاطعت فيه مصالحُها، وتنسيق عسكري تقني يمنع دخولها في صدام مباشر غير مرغوب فيه.

مقالات ذات صلة