قراءة في مذكرات قائد أركان جزائري (3)
أواصل القراءة في مذكرات العقيد الطاهر زبيري، وأسجل له أنه كان من القلائل الذين كتبوا مذكرات تناولت الأحداث التي عاشوها، والتي ستكون يوما أساسا لما سيكتبه المؤرخون النزهاء عن ثورتنا وعن نضالنا وعن إنجازاتنا وأخطائنا، وإذا لم يكن للمذكرات إلاّ هذا الفضل فهو ما يُشكر عليه قائد أركان الجيش الجزائري السابق.
-
ولعل من القضايا التي توقف عندها زبيري قضية كانت محور الأحاديث في بداية الستينيات، وهي تمرد النقيب بوعنان على وزير الدفاع العقيد بومدين، وذلك بتشجيع من رئيس الجمهورية آنذاك، وكان هذا واحدا من الأسباب التي قادت إلى ما أصبح يُسمّى فيما بعد تصحيح 12 جوان، فقد راح بن بلة يحاول قصقصة أجنحة بومدين وتقليم أظافره إلى أن تسنح له الفرصة فيُعيّن أحد رجاله على رأس وزارة الدفاع (ص64).
-
ويعود العقيد إلى الخلف فيستذكر ما عرفته المنظمة الخاصة قبل اندلاع الثورة، والتي كان يرأسها، بعد محمد بلوزداد، حسين آيت أحمد، بشخصيته القوية وثقافته العالية ونضاله في صفوف الحركة الوطنية، ويقول الزبيري بأن آيت أحمد “سرعان ما أطيح به لاتّهامه بالتواطؤ مع المجموعة البربرية التي حاولت الاستيلاء على حزب الشعب الجزائري ورفضت التوجه العربي الإسلامي للحزب، كما اعترضت على جمع التبرعات لصالح الشعب الفلسطيني (ص72) وخلفه على رأس المنظمة رجل لا يقل ّدهاءً عنه وهو أحمد بن بلة، الذي أصبح غريمه فيما بعد.
-
وما لم أجده في المذكرات هو أن مناضلين من منطقة القبائل كانوا من بين من تصدى للنزعة البربرية وكانوا سببا رئيسيا في إجهاضها.
-
ولعلي أتوقف هنا لحظات لأسجل حقيقة تاريخية تتعلق بقضية البربرية، وحدث أنني كنت من شهودها.
-
فلقد كانت الصفة المستعملة دائما هي كلمة البربرية، وعرف التاريخ قضية الظهير “البربري” الذي أجهضه العرب والبربر في المغرب في الثلاثينيات، وتكوين الأكاديمية “البربرية” في باريس عام 1967 انتقاما من نظام الرئيس بو مدين الذي أمّم المناجم في 1966.
-
ومع أحداث أبريل 1980 قمتُ بطرح الأمر على الرئيس الشاذلي بن جديد، الذي كان تأثره بالأحداث واضحا وكانت إرادته في حماية الوحدة الوطنية طاغية على كل المشاعر، وكونتُ مجموعة عمل ضمّت مثقفين جزائريين منهم عبد المجيد مزيان وعثمان سعدي وموسى لقبال، وأدرتُ معهم حوارا بمحضر الرئيس نفسه، الذي تابع النقاش باهتمام كبير، وكانت المحصلة هي الاستنتاج بأن استعمال صفة البربرية (Berbère) هو تخليد لأصلها الذي قصده الرومان، ويعني الهمجية في الطبع والعجمة في اللسان، والذي أطلقه أهل روما على كل ما ليس ومن ليس رومانيا (Barbare) والمنطق يقتضي العودة إلى التسمية الأصلية التي تصف الأصل التاريخي لكل سكان الشمال الإفريقي، وهي”الأمازيغية”.
-
وأعطاني الرئيس آنذاك توجيها بتثبيت صفة الأمازيغية إعلاميا بدلا من البربرية، وهو ما حدث، وأصبحت الصفة هي المستعملة حتى خارج حدود الجزائر، والفضل يرجع للشاذلي بن جديد.
-
وأعود إلى سياق المذكرات التي تناول فيها عمّي الطاهر أحداث تمرّد صائفة 1962 ليصل إلى جريمة الغزو المغربي فيقول: مع أن الهجوم المغربي على الجزائر كان يهدّد الوحدة الترابية للبلاد، إلا أن حسين آيت أحمد لم يوقف معارضته المسلحة مثلما فعل العقيد محند أولحاج والعقيد شعباني (ص77)
-
ويتناول الطاهر الزبيري أول شنآن حقيقي مع بن بلة، وذكر بتعليق الرئيس الحاد في “الكرملين” على نكتة قالها تتعلق بماريشالات الاتحاد السوفيتي (ص88) ويعلق عمّي الطاهر قائلا: شعرت أن بلة وغيره من زعماء الثورة في الخارج لم يكونوا يقدرون حق التقدير جهادنا في الداخل وتضحياتنا من أجل (استرجاع) استقلال الجزائر (ص89)
-
يتبع