الرأي

قراءة واستشراف: تحالفات في الأفق وارتقاب وزير أوّل

أبو جرة سلطاني
  • 959
  • 2

كما كان متوقّعًا، لم تتغيّر النّتيجة كثيرًا وإن تغيّرت الأرقام وجرت تعديلاتٌ طفيفة على ما كان متداولا بعد إعلان النّتائج المؤقّتة من طرف د. شرفي، والمفاجأة الكبرى هي تدنّي نسبة المشاركة من 30.20% إلى 23!%  وما عداها لا حدث. ومادام الأمر هكذا فلن نخوض مجدّدا في الأرقام والنّسب، فقد لاكتها الأفواه منذ أذاعها رئيس السّلطة الوطنية لتنظيم الانتخابات وباتت معلومة كالشّمس وضحاها. ولكنْ من المفيد التذّكير بالقوّى السيّاسيّة التي ستتصدّر المشهد الوطني إلى غاية إجراء الاستحقاق المحلي (المجالس البلديّة والولائيّة) لمعرفة حقيقة التّمثيل الشّعبي لكلّ لون: فجبهة التّحرير عادت من بعيد بـ98 مقعدا، وحركة مجتمع السّلم حسّنت رقمها بـ65 مقعدا، والتّجمّع حفظ ماء وجهه بـ58 مقعدا، وجبهة المستقبل تتقدّم ببطء بـ48 مقعدا، وحركة البناء رفعت سقف الخطاب ولكنّها لم تتجاوز عتبة الـ39 مقعدا، والمستقلّون تقدّموا بـ84 مقعدا وهو ما يجعلهم “الكتلة المرجّحة” للتّحالفات المقبلة وأوّلها تشكيل الحكومة.

ملاحظات لافتة: أوّلها تدنّي نسبة المشاركة المعلن عنها رسميّا إلى %23. مما يجعل هذه الانتخابات خالصة لطرفيْن: الانضباط الحزبي بالنّسبة للتّشكيلات الأربع الفائزة بأغلبيّة المقاعد، ثم التّعبئة الواسعة التي جنّدتها قوائم الأحرار الكثيرة جدّا، والتي كانت سببا في سقوط أغلبها أمام عتبة 5% وتزاحمها الكبير الذي شتّت أصواتها وجعل أزيد من مليون صوتا ملغى. وأفرز الاقتراع خارطة سيّاسيّة شبيهة بتلك التي كانت سنتي 1997 و2002. ويمكن إجمالا تلخيصُها في النّقاط الخمس التّاليّة:

1ـ اندثار عدّة تشكيلات حزبيّة وطنيّة وإسلاميّة وعلمانيّة (شارك 28 حزبا سقط منهم 15 تشكيلة وبقيّت 13 تشكيلة فقط).

2ـ غيّاب جبهة القوّى الاشتراكيّة والتّجمّع من أجل الثّقافة والدّيمقراطيّة والحركة الشّعبيّة وحزب العمّال.. عن السّباق الانتخابي لأسباب مختلفة.

3ـ تراجع التّمثيل العلماني إلى أدنى حدوده (الشّيوعي، والوجودي، والتّروتسكي..).

4ـ تدحرج حظوظ النّساء من الثّلث البرلماني إلى 35 امرأة فقط.

5ـ عودة أحزاب “التّحالف الرّئاسي” إلى الواجهة، مع جبهتيْ المستقبل والبناء، وتراجع صوت الشّعب، والحريّة والعدالة، والكرامة، والطّلائع.. واختفاء كثير ممّن ملأوا الدّنيا خطبا ومواعظ وتنظيرا للدّولة والزّعم بتمثيل الشّعب والحرك..!

الأغلبيّة النّسبية تتطلّب 204 نائب، وهو ما لم تحزْهُ أيُّ تشكيلةٍ حزبيّة ولا الأحرار، مما يعني أنّ السيّد رئيس الجمهوريّة في أريحيّة تامّة من أمره لتشكيل الحكومة بوزير أوّل يطبّق برنامجه، أو بتحالفات ملزَمة بتنفيذ “مخطّط برنامج الحكومة” كما ينصّ عليه الدّستور. وفي قراءة سطحيّة في الأرقام، توصّلنا إلى حقيقة انتخابيّة قلقة مفادها: أنّ هذه الانتخابات وضعت جميع المتسابقين في حرج التّفاوض والتّحالف بسبب طبيعة القانون الانتخابي من جهة، وكيفيّة إعداد القوائم المفتوحة من جهة ثانيّة، وبسبب الألوان الحزبيّة التي أفرزها الصّندوق من جهة ثالثة (وطني، إسلامي، ديمقراطي، ثم كتلة الأحرار) بأعداد متقاربة؛ فمجموع مقاعد التيّار الوطني 146 مقعدا، ومجموع مقاعد التيّار الإسلامي 104 مقعدٍ، والدّيموقراطي 58 مقعدا، ومن أصل 22.550 مترشّحا أخفق 22.143 وبلغ 407 قبّة البرلمان من بينهم 136 شابا دون سنّ الأربعين، فهو “برلمانٌ فسيفسائي” أغلبه شباب، لكن بلون وطنيّ إسلامي راجح.

التّوقّعات: تابعتُ النّدوات الصّحفيّة التي عقدها رؤساء التّشكيلات الفائزة، وكالعادة: كلّهم اشتكى من هضم حقّه! وكلّهم توعّد برفع طعون إلى المجلس الدّستوري ليسترجع ما فقده من مقاعد في ولايات كثيرة. واليوم تمّ ترسيم النّتائج نهائيا وقرار المجلس غير قابل للطّعن (جبهة التحرير، حمس، التجمّع، المستقبل، البناء، و84 نائبا حرّا). لنتجاوز هذه النّقطة إلى جوهر ما صرّحت به كلّ تشكيلة: (جبهة التّحرير مع تحالف شامل، حمس مع حكومة وحدة وطنيّة ببرنامج مشترك وبالحوار حول محاورها الخمسة، التّجمّع مع تحالف وطني، المستقبل يدعو إلى حوار شامل، البناء مشاركة في استكمال بناء الدّولة الوطنيّة ورسالة أوّل نوفمبر). ومعناه بلغة السياسة جملتان مفيدتان:

1ـ كلهم مع تحالفات موسّعة دن إقصاء الكفاءات الوطنيّة.

2ـ الأولويّة للتّنميّة والوحدة الوطنيّة والسيّادة والقضايا العادلة، ومما لا خلاف حوله.

أصعبُ موقع في التّحالفات هو موقع “الوسَط”، فالأعلى منه لا يتحالف معه لأنه يطلب الكثير، والأدنى منه لا يطمع فيه لأنّه لا يُضيف إليه قوّة، وهكذا يتمّ التّحالف عادة بين الأقوى والأضعف لتحييد ما بينهما. وبانتظار ما تسفر عنه “الكواليس”، سيكون تشكيلة الحكومة هي “التّرموميتر” الذي يقيس به الرّأي العام طبيعة المرحلة الجديدة. والأنظار متّجهة إلى الوزير الأوّل الذي سوف يكون إما من تشكيلة حزبيّة يختارها رئيس الجهوريّة رهانا للمستقبل، وإما تكنوقراطا يهتمّ أساسا بالتّنميّة وبمناطق الظلّ، أو يكون شابّا من جيل الاستقلال يكرّس فكرة الانتقال الدّيمقراطي بانتظار ميلاد قوة سيّاسيّة جديدة أو صعود حزب مهيْكل يأخذ على عاتقه مسؤوليّة تجسيد مطالب الحراك وتفكيك بقايا العصابة واستكمال بناء “الدّولة الجزائرية الدّيمقراطيّة ذات السيّادة في إطار المبادئ الإسلامية”، كما نصّ عليها بيان أوّل نوفمبر.

الجبهة الاجتماعيّة ضاغطة والمحيط الإقليمي والدّولي متحرّكان، وعلى المجلس الجديد أن يتجاوز “صراع الألوان” وأنانيّة تقسيم هياكل المجلس إلى ردّ الاعتبار للوظيفة التّشريعيّة والرّقابية أوّلا، ثم الدبلوماسيّة البرلمانيّة ثانيّا، ثمّ الاهتمام الدّائم بانشغالات المواطنين. فما حدث يوم 12 جوان 2021 تجربة مشجّعة على الاستمرار في تنظيفها أكثر حتّى يصبح الصندوق الانتخابي هو الفيصل بين من يختاره الشّعب ومن يرفضه. إذا تحقّق هذا الحلم عرف كلّ طرف وزنه فلن يتقدّم لاختبار إرادة الشّعب سوى من كان خادما له.

مقالات ذات صلة