الرأي

قرار لإلغاء التراويح!

جمال لعلامي
  • 5591
  • 23

ردّا على موضوع نشر مؤخرا بـ”الشروق” بعنوان: “إنذار لكلّ إمام يُطيل في صلاة التراويح”، كتب لي أحد القراء النبهاء مخاطبا وزير الشؤون الدينية: أرحنا منها يا غلام الله(..)، وفي ذلك رسالة قوية ومؤلمة في نفس الوقت، تدق ناقوس الخطر وتضع اليد على الجرح، فلم يبق بالنسبة لبعض “المقلقين” سوى المطالبة بتوقيع مرسوم يتضمن قرارا بإلغاء التراويح في رمضان، حتى يرتاح هؤلاء من القيام ومسح الذنوب وقطف الحسنات!

يتعبون في صلاة التروايح، لكنهم يتسمّرون في مدرجات الملاعب لساعات طويلة، ينتظرون انطلاق مباراة في كرة القدم، فتجفّ حلوقهم وتنتهي أصواتهم، ويُبدعون في إطلاق عبارات التشجيع وأناشيد المآزرة والتضامن، ومنهم من يلجأ إلى الحجارة وقارورات “المولوتوف” للتعبير عن مكبوتاته!

إنـّهم يتابعون باهتمام بالغ ومتزايد ومستمر، مباراة الكلاسيكو وتصفيات المونديال ومواجهات الأندية، ولا يسأمون ولا يتعبون وهم يعذبون عيونهم لأسابيع طويلة، ويستمتعون بـ”طيكوك 22″ لاعبا وهرولة وصفارة الحكم ومساعديه فوق البساط الأخضر، لكنهم يتعبون في التراويح!

إنـّهم يحشدون أبناءهم وزوجاتهم وعائلاتهم أمام التليفزيون لمتابعة سكاتشا أو مسلسلا أو سلسلة طرائف من مشاهد الكاميرا المخفية، ولا يقلقون أبدا من الرداءة والبرامج الهزيلة والمثيرة للنرفزة و”الكولون” وارتفاع الضغط الدموي والتعصب والعصبية، لكنهم يتعبون في التراويح!

يتعبون في صلاة التروايح، لكنهم لا يتعبون من السير والمسير والمسار، يوميا عبر أسواق الجملة والتجزئة، وتجوالهم لساعات طويلة وسط الخضر والفواكه والشاربات و”الزلابيا” والفواكه، فمنهم من يشتري حدّ البذخ والتبذير، ومنهم من يعتمد شعار: “ألـّي ما شرى يتنزّه!”

إنهم لا يسأمون من السهرات الطويلة، ومن “الدومينو” والزبيلحة و”الكارطة” والبيّار والألعاب الإلكترونية، ومن “الهدرة” التي لا تنتهي، وتضرّ ولا تنفع، ولا يتعبون من الحكايات الفارغة و”التمنشير” لكنهم يتعبون في التراويح!

إنهم لا يتعبون في التحليل والمناقشة وصناعة الضرر والمضرّة، والقيل والقال، وكلام العجائز والكلام غير الجائز، لكنهم يتعبون إذا طالت صلاة التراويح، رغم أنها لا تعود إلاّ مرّة واحدة ووحيدة كلّ سنة!

لا يقلقون من فيلم عمره ساعتين، يمثل على المشاهدين بأفلام الأكشن والخدع السينمائية من عيار “سوبرمان” و”باتمان”، أو مسرحيات من شاكلة “العيال هربت” و”الواد سيّد الشغال” و”ريّا وسكينة”، و”شاهد ما شافش حاجة”، لكنهم يقلقون ويشتكون من إمام يقرأ حزبين من القرآن الكريم في شهر التوبة والغفران، ويُلصقون به تهمة “الإطالة” في صلاة التراويح!

إنـّهم يتمنـّون إطالة عمر مشاهد التسلية واللهو والزهو والغلوّ والنظر من أيّ علوّ، لكنهم يتمنون التقصير في صلاة التراويح حتى يغادرون المساجد وكأنهم لم يدخلوها، وحتى يكون لهم متسعا من الوقت لقضاء سهرة رمضانية تمتدّ إلى مطلع الفجر!

.. بعد كل هذه المفارقات والمتناقضات، وزارة الشؤون الدينية، في تقرير لها تنفست الصعداء لأن تحذيراتها للأئمة أتت أكلها، فلم يتمرّدوا على تعليماتها، وأطلقوا سراح المصلين في وقت لا يُصدّق، وأضحى بعض الأئمة يتنافسون على بطولة تحطيم الرقم القياسي في أداء أقصر صلاة تراويح فعلا سيدي مليح زادلو الهوى والريح!

مقالات ذات صلة