قرار مجلس الأمن لا معنى له ولا يمكن تطبيقه !
أصدر مجلس الأمن، أخيرا، قراره رقم 2797 الذي يعتبر أكثر قرار خاص بالصحراء الغربية أثار جدلا في مجلس الأمن منذ بدأ هذا الأخير يعالج هذه القضية في منتصف سبعينيات القرن الماضي. وبسبب سوء تقديم المسودة في صيغتها الأولى – سواء على مستوى الشكل أو مستوى المضمون أو اللغة – التي حررتها الولايات المتحدة، خضع القرار لعدة عمليات جراحية وتنقيحات حتى يصبح بالصيغة التي تمت المصادقة بها عليها، والتي لا تَرقى إلى مستوى قرار جدي من مجلس أمن دولي يُفترض فيه تحمل المسؤولية في حل القضايا الدولية.
فصدور هذا القرار الذي انتظره العالم على الأعصاب لعدة أيام كان أشبه بتمخض الجبل الذي سيلد فارا. من خلال تفكيك فقرات القرار يمكن للقارئ أن يجزم أنه لن يتم تطبيقه، وأنه ستتم أرشفته في اسرع وقت بسبب تناقض مواقف الأطراف: طرف يرفض بتطرف التفاوض حول أي شيء له علاقة بالحكم الذاتي المغربي وطرف يقبل، وبالتالي لن يتم تطبيقه أو تناوله.
السقوط المدوي والتناقض الفادح
من الملاحظات التي يمكن أن يطرحها المتابع العادي للشأن الصحراوي يمكن ذِكر ما يلي: أولا، السقوط المدوي لمقترح الحكم الذاتي المغربي. فهذا المقترح الذي ظل المخزن ينمقه ويزوقه على مدى أكثر من خمس عشرة سنة، والذي حاولت الولايات المتحدة الأمريكية تقديمه في المسودة الأولى للقرار الحالي على أساس أنه “الحل الوحيد” تدحرج ليصبح “حلا يجب التفاوض عليه فقط في حالة أن يصبح حكما ذاتيا حقيقيا”. مثل هذا التعبير ينزع عن هذا المقترح أي مصداقية، لأن المغرب، من جهة، عاجز تماما عن تقديم حكم ذاتي حقيقي، ومن جهة أخرى، لأن جبهة البوليساريو ترفض التفاوض عليه.
ثانيا، لا يرِد في القرار أن الحكم الذاتي هو الحل الوحيد إنما تمت الإشارة، بوضوح، إلى “النظر في أية حلول أخرى”، وفي هذا إشارة إلى النقاط التي قدمتها جبهة البوليساريو في مقترحها الموسع.
ثالثا، هناك تناقض صارخ في القرار، إذ يقول في النقطة الثانية من المتن: “يعلن دعمه الكامل للأمين العام لتيسير وإجراء مفاوضات، استنادًا إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي، بهدف التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول للطرفين للنزاع، بما يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة”. مثل هذا النوع من المفاوضات لا يمكن أن يجرى على أساس الحكم الذاتي، لأنه غير قانوني، ولن يحدث التفاوض عليه ولا يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة. الملاحظة الأخرى المهمة هي أن القرار “يدعو الطرفين إلى المشاركة في هذه المناقشات من دون شروط مسبقة، على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول للطرفين، يكفل تقرير مصير شعب الصحراء الغربية، ويقر بأن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر جدوى، ويشجع الطرفين على تقديم أفكار لدعم حل نهائي مقبول للطرفين”. هذه الفقرة حافلة بالتناقضات غير المفهومة وغير المتناسقة. ففي حين تتحدث عن مفاوضات من بدون شروط مسبقة ويتم ذِكر الحكم الذاتي فهذا تناقض، لأن مجرد ذكر الحكم الذاتي يعتبر شرطا مسبقا، ثم إنه لا معنى لتقرير المصير القانوني والشرعي إذا تم التطرق إلى الحكم الذاتي.
رغم أن القرار يشترط التفاوض ويشترط مشاركة الطرفين، ويرحب بمبادرات أخري يمكن مناقشتها للتوصل إلى حل (في إشارة إلى المقترح الصحراوي)، إلا أن جبهة البوليساريو أبدت صرامة حاسمة تجاهه، واعلنت قبل اجتماع المجلس بلهجة واضحة وتحذيرية إنها لن تشارك في أية مفاوضات يتم ذِكر فيها الحكم الذاتي، كما قدمت مقترحا متقدما يمكن أن يساعد على الحل. هذا يعني أن مجلس الأمن الذي كان على علم مسبق بموقف البوليساريو الرافض ما كان يجب أن يصدر مثل هذا القرار، لأنه لن يفعل أكثر من دفع الصراع إلى سنة كاملة من الركود، بحكم أن الأمين العام لن يستطيع تنظيم أية مفاوضات ما دام أحد طرفيها -البوليساريو-يرفض الحضور والتفاوض.
صرامة “البوليساريو” وخيبة أمل المغرب
من خلال قراءة مواقف الأطراف وردة فعلها على القرار يمكن أن نلاحظ ما يلي: الرد القوي والصارم لـ”البوليساريو” وخيبة أمل المغرب.
تشدد “البوليساريو” في رفض التفاوض حول الحكم الذاتي تجلى في إصدارها قرارا قبل بداية مشاورات مجلس الأمن، وإصدارها لقرار ثان بعد صدور القرار لتأكيد الرفض الذي جاء في القرار الأول قبل مداولات المجلس. فإذا كان المغرب قد دخل إلى ساحة مجلس الأمن مدعوما بمواقف من دول قوية، وفي ظرف تميز بفوضى دولية لمحاولة فرض مخططه، فإن جبهة البوليساريو قد أبدت صرامة في التصدي لهذه المحاولة رغم محاولات الضغط الكثير والتهديد بتصنيفها حركة إرهابية. إن رفض جبهة البوليساريو للقرار بهذا الحزم هو رسالة واضحة أن الخطة المغربية إذا تم تداولها مستقبلا ستجابه بنفس الرفض وبنفس الحزم.
بالنسبة للطرف المغربي قام بإعداد سيناريو مفضوح. فالملك المغربي كان سيخطب بمناسبه مسيرته السوداء يوم 6 نوفمبر، لكنه اعتقد أنه سيحرز نصرا مؤزرا في مجلس الأمن ويتم الاعتراف له بالحكم الذاتي حلا وحيدا، فألقى خطابه مسبقا يوم 31 اكتوبر ليعلن النصر، لكن شيئا من هذا لم يحدث، وكل ما حصل عليه هو قرار مبهم لا يساوي الحبر الذي كُتب به، وتم تعويم الخطة في بحر من التعابير التي لا تعني شيئا ولا تحسم شيئا.
إن رفض البوليساريو الواضح للتفاوض الذي حث عليه القرار، وعدم اعتبار مجلس الأمن لخطة الحكم الذاتي حلا وحيدا يجعلنا نصل إلى نتيجة وهي أن المغرب، رغم المجهودات التي قام بها على مدار سبع عشرة سنة، فشل في حشد الدعم الدولي والقانوني لخطة الحكم الذاتي حلا وحيدا للقضية. الذي تأكد منه المغرب الآن هو استحالة قبول مخططه، وأن صلاحيته انتهت، وأنه أصبح مفروضا عليه أن يعود إلى جادة الشرعية.
الأمم المتحدة مطالبة بتصحيح المسار
كل هذا يعني أنه لربح الوقت على الأمانة العامة للأمم المتحدة أن تبدأ من الآن في التفكير في مرحلة ما بعد انقضاء الفترة التي يحددها القرار الذي لا يمكن تطبيقه. المنطقي والواقعي أن تنطلق الأمانة العامة للأمم المتحدة في مقاربتها القادمة من طي مرحلة ملف الحكم الذاتي والعودة إلى الشرعية الدولية. في حالة أن لا تعود الأمم المتحدة إلى الشرعية وإلى روح القرار 690 الصادر سنة 1991م ما عليها سوى أن ترفع الراية البيضاء.