قرن مقارعة الوحش بالتوحش
فيما يكون ربيع الشعوب العربية قد أجهظ ـ من باب الإستباق ـ فرص الإنتقال السلس والآمن نحو الإدارة الحديثة للشأن العام بأدوات التداول السلمي على السلطة، يكون قد وفر ظروفا غير متوقعة ومحسوبة لبداية تفكك التحالفات التقليدية، وولاءات النخب الحاكمة، وربما يكون قد أنتج مسارا بديلا للصراع يقارع فيها الوحش الغربي المفترس بغرائز التوحش المنفلت.
وفيما كان الغزو الأمريكي للعراق تحت راية كاذبة اسمها “تدمير أسلحة الدمار الشامل وبؤر الإرهاب” يعد بميلاد القرن الأمريكي المهيمن على العلم، كان تدمير الدولة الوطنية، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وتفكيك جزيئات التعايش بين مكونات الفسيفساء القومية والدينية والمذهبية للمنطقة، كان يبشر حتما بميلاد قرن التوحش المنفلت العقال، تحول مع داعش ثم مع تنظيم الدولة إلى ظاهرة كونية، وصراع مفتوح بين التوحش المغروز في الثقافة الغربية الإمبراطورية، وتوحش مضاد ولد من رحم مجتمعات عربية تداول عليها عنف الأستعمار القديم ثم وحشية وافتراس الأستعمار الجديد.
فحتى مع التسليم بوجود تدبير غربي مسبق، يريد توظيف الإرهاب كأداة بديلة أو مساعدة للحروب التقليدية، فإن أخبث الأدمغة المسخرة في رسم خطط القرن الأمريكي الجديد، لم تكن لتتوقع ميلاد ظاهرة مماثلة لظاهرة التوحش التي تشغل اليوم المساحة الأولى في “إعلام الماينستريم” كما في فضاء التواصل المنفلت في يوتوب، فيس بوك، وتويتر، بصور وحشية مرعبة للقتل، والذبح، والدهس، والردم الجماعي للبشر بالبراميل المتفجرة، ظارة بدأت تعبر الحدود والبحار والمحيطات، وتتحول إلى ظاهرة عالمية تستقطب مثل المغتاطيس طاقات التوحش والبربرية الرابضة المتربصة في جميع المجتمعات وفي جميع الأعراق والملل والنحل.
وحتى مع التسليم بوجود نوايا مضمرة عند من خطط لسياسة الفوضى الأمريكية الخلاقة لتغيير بعض التحالفات في منظقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، فإن الانقلاب الكبير في التحالفات الذي انتجته بؤرة الصراع الأولى في الشام، لم يكن محسوبا ولا مرغوبا فيه، وما كان لأحد من الخبراء الاستراتجيين أن يراهن دينارا ولا حتى بدانق على عناق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، مشفوعا بفراق غير وامق ـ على ما يبدو ـ بين أمريكا ودول الخليج، أو يراهن على أدنى فرصة لأنتقال تركيا من دور حارس البوابة الأول المانع لأساطيل الروس من العبور للمياه الدافئة إلى حليف محتمل للدب الروسي.
والحاصل أن الولايات المتحدة وناديها المسيحي اللذين راهنا على حرب صليبية مقنعة، سريعة، خاطقة، معلبة في كبسولة تحديث العالم العربي رغم أنفه “وتهذيب” الإسلام السني، وتطويعه لإرادة أرباب النظام العالمي الجديد، قد حصدا حتى الآن رعم أنفهم فرار حلفائهم التقليديين من دول الإقليم نحو أحضان بديلة، قد تنهي بسرعة التواجد الأمريكي والغربي في الشرق الأوسط، وفرار الشباب العربي المسلم نحو دوائر مواجهة وانتقام مرتجلة، ترى أنه لا سبيل لمقارعة التوحش الغربي اليهودي المسيحي إلا بتوحش مضاد، لا يحتاج إلى إمارة أو آمر، هو اليوم السلاح الأول لتنظيم الدولة وما بعد تنظيم الدولة، في مواجهة دموية مفتوحة بلا عنوان، لن تتوقف عند حدود العالم العربي، ولا عند حدود العالم الأسلامي، ولن تنفع معها الاساطيل وطائرات الدرون، ولا يسعها ألف من معتقلات أبو غريب وغوانتنامو.