-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق العربي" تزور "شاطو الكويف" بتبسة

قصر ينام على الفسفات والحديد

الشروق أونلاين
  • 10805
  • 0
قصر ينام على الفسفات والحديد

تصبح الكتابة طريقا حين تضلك شوارع الذاكرة، فثمة شبه كبير بين الكتابة والنبش في ثنايا الدفاتر العتيقة، حين كنت أستمع لأبواق التاريخ تعدد المناقب الكثيرة لـ”الكويف” وهي دائرة تبعد بمسافة 30 كلم عن مدينة تبسة الجزائرية، وهي من أقدم وأكبر بلديات الولاية وأكثرها غنى باحتوائها على ثروة طبيعية هامة منها الفوسفات، الحديد… أهّلها لتنتزع لقب “فرنسا الصغيرة” ولتكون قطبا صناعيا أيام الاستعمار الفرنسي، لكن ما بال المدينة اليوم، تدير ظهرها لتغرق في الغياب، وذاكرة لا تحمل إلا وجها لا يزال يعانق الغياب، تجفف الحنين على شرفة الانتظار، لعل وعسى ينفض أبناؤها الغبار على كتابها ويلملمون تبعثرها.

أخذتني الخطى وأنا الحاضرة المُغيبة عن تاريخ بلدتي إلى جانب مستضيفي في حضرة “الكويف” السيد عبد الغاني غربي وهو للصدفة “بيطري” كما هو حال “فيليب توماس” البيطري الفرنسي الذي اكتشف سنة 1873 طبقات من الفوسفات بـ”راس لعيون” على مقربة من الكويف، فيبدو أنّ البياطرة وحدهم قادرون على استنطاق المكان، يقول السيد “عبد الغاني” إنّ أصل تسمية الكويف جاءت من طبيعته التي كانت عبارة عن مجموعة كهوف ومغارات ومن هنا جاءت التسمية الأخيرة “الكويف”.

وبعد بدء استغلال الفوسفات سنة 1893 وحتى عام 1920 كانت مدينة الكويف لا تحوي إلا بعض البيوت التي صارت لا تكفي احتياجات العاملين، خاصة أنّ كل عامل أسّس عائلة، وهنا قامت السلطات الفرنسية بإيجاد أحياء للفرنسيين وأخرى للمسلمين، وفي الأولى نجد حي قسنطينة، حي الباي، حي إسبانيول، حي المحطة. أمّا المسلمين فخصّصت لهم أحياء الحي الأبيض، حي القبائل، دوار الغربة، دوار الفوقاع.

مشينا في وسط مدينة الكويف وأنا أستحضر أغنية لصقت بي حنينا لصاحبها ابن الكويف البار “قدور كلاعة”، وحده بقي وفيا للبدايات، وحده بقي وفيا للذاكرة ورحت أدندن “وحشك قدا أغريب… قدا وما قداش، جرحك جا في الكبدة، داوني نبراش، حليلي ما أبعد هنا… براسي نموت غريب…”، بعد جولة سريعة ووقوف على الأطلال التي حوّلت كلها اليوم مثل الفندق، المسبح المهمل، السينما التي تتأبط جوانبها و… استقر بنا المقام بـ”الشاطو”، هذا القصر الجميل الذي يتوسط المدينة ويطل عليها كلها بحسب موقعه علوا، ولأنه كذلك اختارت طيور اللقلق التي تعشق الأعالي سكناه. قبالته تجذبك مناظر الكويف المترامية، أين يوجد المنجم، ومحطة القطار والسوق الأسبوعية وحي عين الباي وكل الأحياء تقريبا.

استقبلنا حارس “الشاطو” فرغم هامشيته وسط هذا الصرح الفاره، لكنه لم يتوان عن خدمتنا بابتسامة أهل الكويف الطيبين، ورغم أنه لا يحصل على مقابل يذكر أمام خدمة جليلة وهي حراسة معلم تاريخي، والحفاظ على ما تبقى منه بعد النهب وعمليات الإسكان التي مرت عليه والتي لم تراع هندسته المعمارية وراحت تعيث إصلاحا ظاهريا وتخريبا أركولوجيا، ما أدى مؤخرا لاسترجاعه من قبل مصالح ولاية تبسة ليصبح ملحقا بها على أن يتم ترميمه مرة أخرى ليصبح مستقبلا إقامة رسمية للشخصيات الوافدة على مدينة الكويف.

تستطيع أن تصارح الأوراق بكل مرارة وخيبة دون تردد أو خوف، لأنك ببساطة أمام الخسارة جدران وأبواب وأسقف تشكي حالها وتبكي مآلها. “الشاطو” الذي عاثت فيه الأيادي تخريبا مازال يحافظ على شموخ وأنفة تلمسها وأنت تترجل في طابقيه بغرفها فخامة وتصميما تشي بمكان حفل بتاريخ مجيد، وصولا إلى السطح الذي استقبلتنا فيه أعشاش طائر اللقلق الذي لم يعرنا انتباها ربما لأنه على يقين بأننا زُوار عابرون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • الاسم

    هذا ما صنعتم بالاستقلال يا اغبياء ،،،،،،،،(وهي من أقدم وأكبر بلديات الولاية وأكثرها غنى باحتوائها على ثروة طبيعية هامة منها الفوسفات، الحديد... أهّلها لتنتزع لقب "فرنسا الصغيرة" ولتكون قطبا صناعيا أيام الاستعمار الفرنسي، لكن ما بال المدينة اليوم، تدير ظهرها لتغرق في الغياب، وذاكرة لا تحمل إلا وجها لا يزال يعانق الغياب، تجفف الحنين على شرفة الانتظار، لعل وعسى ينفض أبناؤها الغبار على كتابها ويلملمون تبعثرها.)