-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
حانون والجليسة وأبو فهر

 قصور نافست المشور في الجوهرة تلمسان

ك. فاروق
  • 90
  • 0
 قصور نافست المشور في الجوهرة تلمسان

تُعدّ مدينة تلمسان إحدى أعظم العواصم التاريخية في شمال إفريقيا، حيث احتضنت عبر تاريخها المجيد نهضة معمارية فريدة جسدت بصمة الحضارات التي بنت أمجادها في هذه الحاضرة الاستثنائية، العديد من التحف المعمارية تقف شاهدة على هذا المجد الكبير، وإن كان المشور جوهرة الجوهرة، فإن قصورا أخرى نافسته في الجمال والهندسة والتصميم.

شهدت تلمسان في عهد المرابطين نهضة معمارية مبكرة، تمثلت في القصور الملكية؛ حيث شيّدوا “القصر البالي” في الحي الملكي بالمدينة القديمة، بالقرب من الجامع الكبير، إلى جانب “قصر الدردشة” في الحي ذاته، غير أن كلا القصرين طالتهما يد المستدمر الفرنسي الذي محا آثارهما بالكامل. بعد المرابطين، لم يترك الموحدون الذين حكموا المدينة في ما بعد قصورا ملكية تخلد مرورهم.

المشور… قلب تلمسان النابض بالعبقرية

تُعتبر الفترة الزيانية العصر الذهبي والأغنى معمارياً في تاريخ تلمسان؛ فقد اتخذها الزيانيون عاصمة رسمية لدولتهم، فشيدوا وعمروا فيها القصور والبيوت، وأقاموا الأسوار والحصون والحدائق. ويأتي في مقدمة هذه الإنجازات “قصر المشور” الشهير، الذي يختصر لوحده عبقرية الهندسة المعمارية الزيانية، وقد بناه السلطان يغمراسن بن زيان داخل قلعة المشور وسط المدينة، ومذاك صار المشور رمزاً سياحياً وتاريخياً مهيبا. وكباقي القصور تعرض القصر للتخريب وقامت فرنسا بتحويل مسجده الملكي إلى كنيسة، وحولته إلى مقر للإقامة الفرنسية، إلا أنه استعاد وهجه وبريقه بعد استقلال الجزائر.

الدولة الزيانية لم تترك المشور فقط إرثا حضاريا إنسانيا معماريا كشاهد على مرورها، فقد تزينت تلمسان في عهدها بقصور شاخصة، منها “قصر السرور” قرب منزل الباشا، ويعود ذكر “دار السرور” إلى أوائل القرن الثامن الهجري في عهد الأمير الزياني أبي تاشفين. أما “قصر العزيز”، فلا يزال قائما قرب ساحة النصر، و”قصر الضياف” قرب رياض بن فارس. وفي شارع أغادير التاريخي، برز “قصر شنقر” قرب حي القصارين، و”قصر السلطان عبد الجليل”.

قصر حانون… بين الحب والصيف

تعددت أسماء هذا القصر الملكي الزياني، من قصر الصفصيف نسبة لوادي الصفصيف الذي يمر قربه، إلى قصر المنيا نسبة لسهل المنيا، أو قصر بنت السلطان أو قصر حانون، هو أحد قصور تلمسان الزيانية خارج أسوار المدينة، الذي يبعد بنحو خمسة كيلومترات عن قلعة المشور الإقامة الدائمة لملوك تلمسان، حيث الديوان. كان هذا القصر الأنيق طي النسيان لزمن بعيد، إلى غاية إعادة اكتشافه أواخر القرن التاسع عشر، على يد ثلة من الأثريين الفرنسيين، منهم “جورج مارصي” و”ألفريد بال”، الذين قاموا بتنقيبات أثرية فيه دامت ثلاثة أشهر، أسفرت عن كشف عدة غرف مع أحواض بنوافير على شاكلة أحواض قصر المشور الملكي، يكسوها القيراطي الملون بنفس الأشكال، مع الكتابات الجصية بشعار دولة بني زيان “العز القائم لله”، “الملك الدائم لله” التي وثقها جورج مارصي في كتابه “معالم تلمسان العربية”.

أما تاريخ بنائه الدقيق، فقد كان محل اختلاف، لكنه يعود على الأرجح إلى فترة حكم السلطان أبي سعيد عثمان بن يغمراسن الزياني، الذي عرف بحبه لزوجته الأميرة صفية، التي تعرف في بعض المراجع بحانون، ولعله هو نفسه قصر حانون، المشار إليه في جملة قصور الملك بتلمسان الزيانية، وعلى الأرجح قد بناه السلطان أبو سعيد تكريما لزوجته المذكورة.

مدينة القصور

وهل اكتفى الزيانيون بهذا الحد، طبعا لا بل امتدت سواعد الإبداع لديهم لتشمل “قصر عبلة بنت السلطان”، قرب متشكانة، و”قصر الشعراء” في حي إمامة، وقصر “غرس الباي” في فدان السبع، و”قصر الجنان” في حي القلعة، الذي تحول لاحقاً إلى إقامة سكنية. كما ضمت المدينة “قصر الحوض الكبير”، و”قصر أبو فهر” بالقرب من صهريج أمبادي، فضلاً عن “قصر البايلك” قرب القيصرية، و”قصر الجليسة” في حي القلعة.

دار السلطان المريني 
هي عبارة عن قصر شيده السلطان المريني أبو الحسن من أجل الاستراحة فيه من هموم إدارة الحكم والسياسة وشؤون الحرب والتفرغ للعبادة. توجد هذه الدار إلى جانب مسجد وضريح الفقيه سيدي أبي مدين شعيب بقرية العباد، ولها باب كبير على يسار باب الجامع.
ويرجع تأسيس دار السلطان إلى نفس العهد الذي أسس فيه المسجد، أي ما بين 1335م 1357م. وهي تعد من المنشآت المعمارية المرينية الرائعة بتلمسان التي لم يبق منها إلا أطلال توحي بذوق هندسي رفيع؛ إلا أننا ما زلنا نجد جدرانا مخربة تحتفظ بزخارف جصية وأروقة ذات قناطر مقوسة .
وتشير بقايا آثار دار السلطان والأبحاث التي أجراها عدد من المهتمين وخاصة الأخوين جورج وويليم مارسي، إلى أن القصر كان يحتوي على أكثر من 12 غرفة، يبلغ بعضها 12 مترا طولا، بينما لا يتجاوز عرضها 3 أمتار، بها تحلية رائعة وجذابة .

الركود العثماني والمأساة الاستعمارية

بعد العصر الزياني الذي مثل القمة العمرانية والتطور الهندسي لتلمسان، جاءت الفترة العثمانية التي شهدت ركوداً تاماً وجموداً معمارياً ملحوظاً.

غير أن الصدمة الأكبر تمثلت في فترة الاحتلال الفرنسي، حين أقدمت سلطات البطش الاستعمارية على طمس التراث المادي للمدينة، وقضت بالتدمير والتخريب على ما يقارب سبعين بالمئة من الرصيد المعماري والقصور التلمسانية، لتبقى بقايا هذه المعالم شاهدة على عظمة مجدٍ زائل وبطشٍ استعماري لا يُنسى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!