-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قوارب الموت.. رحلة نحو المجهول

بقلم: كريمة بداوي
  • 442
  • 0
قوارب الموت.. رحلة نحو المجهول

لطالما عددتُ الكتابة عن الهجرة عبر قوارب الموت من أثقل المواضيع وطأة على القلم، ذلك أن الألم يعتصر القلب كلما تبادرت إلى الذهن صورة الشاب الجزائري، الذي يغادر حضن الوطن تحت جنح الظلام، محملا في رحلته بكيس صغير على ظهره -كأنه يختزل فيه كلما تملكه من سنوات عمره الغض- يحدوه الأمل ويراوده الخوف من المجهول.

كيف لهذا الشاب الذي كان يمازح والدته ويقبِّل رأسها نهارا، ويبتسم لأصحابه في حيّه كل مساء، أن يقطع حبال الوصال والود، برحلة مظلمة لا يعرف نهايتها ومرسى قاربها؟

لا شك أن الدافع كان كبيرا في نظره ليستحق منه هذه المغامرة وكل هذا الجهد والعناء!

لا يختلف اثنان على أن من أهم عوامل رضى المرء وسعادته بالعيش في موطنه، هو إحساسه بالأمان النفسي، وتلبية احتياجاته الضرورية، بما يكفل له حياة وادعة كريمة، ولقد امتن الله سبحانه وتعالى على قريش بذكر نعمتي الأمن وتوفير الرزق، وتسهيل وسائله ليعيشوا عيشة هنية، فقال عز من قائل ­{{الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}} لذلك فإن انعدام سبل العيش الكريم وضماناته، وكذا غياب الأمن وأسبابه قد يدفعان إلى التفكير في مفارقة الأوطان والأحباب، وهذا واقع ملموس في كل البلدان التي ترزأ مجتمعاتها تحت وطأة الفقر أو يتهددها شبح الحروب.

بيد أنني اعتقد بأن هناك أسبابا إضافية أوقعت شبابنا فريسة سهلة في حبائل تجار الهجرة غير القانونية ومنها:

ـــ فقدان الأمل في التغيير والإحساس بالغربة وسط الأهل والأصدقاء، جعل وجهة البعض تتيمّم شطر الضفة الأخرى حيث إغراء التمدن وبريق الثروة والمال.

ـــ تغرير وسائل التواصل الاجتماعي التي تصور أوربا والعالم الغربي عموما، جنّةً مذللة سهلا قطافها، وهو ما يتنافى مع الحقيقة والواقع كليا، وهنا تلعب الصورة دورا كبيرا في التأثير على الناشئة، فغالبا ما ينبهر شبابنا بصورة الشوارع الواسعة والطرقات النظيفة والمباني الشاهقة، وكذا بأسلوب الحياة الغربية، من خلال تغطية بعض “اليوتوبر” الذين لا همّ لهم سوى الحصول على أكبر عدد من المشاهدات لأجل الربح المادي، وان اضطروا إلى إخفاء الحقائق وتزييفها.

ـــ انعدام الإرادة والحافز على التغيير: إذ تغيب فكرة بناء الوطن وتغليب المصلحة العامة، أو تصبح مجرّد شعارات خاوية لا تحرك ساكنا، فيغدو أقصى ما يتمناه الشاب، هو الهروب من بلده لتحقيق بعض المكاسب المالية المحدودة٠

حلول للقضاء والتقليل من هذه الظاهرة:

ــ إنما يكون بدراسة أسبابها والوقوف عليها من طرف علماء الاجتماع، ومن ثم البحث عن حلول جذرية لها؛ ويتمثل ذلك في كيفية إحياء الأمل في قلوب أبنائنا، بإعداد برامج سياسية واقتصادية واقعية، تضمن لهم تحقيق الذات، وتفتح آفاق الإبداع والابتكار لهم.

ـــ مجابهة التزييف والتصدي للأكاذيب التي يروّج لها رواد التواصل الاجتماعي: ويتحقق ذلك بتضافر جهود القائمين على الإعلام حتى تتبيّن حقيقة قساوة الحياة وصعوبتها للمهاجرين في الدول الأوربية، خاصة بعد تنامي تيار العنصرية واليمين المتطرف وازدياد الضغوط على الجالية العربية والمسلمة٠

ـــ ترسيخ قناعة دينية مفادها أن الحياة منحة ربانية فلا تجوز المجازفة بالنفس وتعريضها للهلاك غرقا أو تعريضها لشتى أصناف الاذى والهوان، وهذا دور الدعاة والفقهاء المصلحين.

ـــ تغيير الصورة النمطية السائدة في المجتمع الجزائري التي تصور المغتربين بأنهم أناسٌ محظوظون، ولا يكون ذلك إلا بتسليط الضوء على فداحة ما يفتقده هؤلاء عندما تطوق سنوات الغربة آمالهم وأحلامهم التي تغرّبوا لأجلها فيكونون كما قال امرؤ القيس:

وقد طوّفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب

نعم قد يكون الإياب والرجوع إلى الوطن غنيمة، متى فقد المغترب ذوق وطعم الحياة بعيدا عن أحبابه، لأن الحياة الكريمة هي في وطن يبنيه أبناؤه بسواعدهم، ويعيشون فيه بقيمهم وهويتهم التي ارتضوها أحرارا أعزاء.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!