-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من بعيد

كارثة باكستان.. ومتسوّلتا برهوم وبغداد

كارثة باكستان.. ومتسوّلتا برهوم وبغداد

باكستان، تلك البلاد التي دخلها الإسلام منذ القرن الأول الهجري، (تحديدا 93 للهجرة) ولها في تاريخنا مآثر جليلة، منها انتشار العرب، وجودا وثقافة، في ذلك الوقت من خلال عالمية الإسلام.. تلك الدولة التي ولدت من رحم الصراع بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل الأخرى، ولم يكن انفصالها عن الهند مقبولا من بعض من حكماء الأمة وعقلائها بمن في ذلك قيادات باكستانية فاعلة، ثم أتت عليها سنوات بعد استقلالها وقد بلغ فيه الصراع السياسي ذروته…

وفي حالاته جميعها كان من أجل تطبيق الشريعة من عدمها، وما صاحبه من فساد، جعلها في بداية النشأة صنيعة بريطانية وهي الآن أمريكية، تتكالب عليها أمم الغرب بالرغم من مساعداتها في فيضاناتها الأخيرة بمبالغ تجاوز مساهمات العرب والمسلمين بأضعاف، ما يعني أننا أصبحنا كغثاء السيل كما جاء في الحديث النبوي.

تواجه باكستان اليوم أسوأ كارثة مرت بها منذ ثمانين عاما، بل أنها أسوأ من كارثة تسونامي وزلزال كشمير وكارثة هايتي، حيث دمرت خمس أراضيها، وتضرر أكثر من عشرين مليون من سكانها، وتوفي ما يفوق 3600 شخص، وتعرض3 مليون ونصف المليون طفل للأمراض، وقد يصل العدد إلى ستة ملايين طفل، كما أشارت إلى ذلك بعض المنظمات الدولية. ناهيك عن القضاء على المحاصيل الزراعية، وتدمير البنى التحتيّة .. الخ  

هذه الكارثة، لقيت دعما دوليا أوليا استجابة لدعوة الأمم المتحدة، فقد  طالبت هذه الأخيرة مبلغ 460 مليون دولار، فاستجابت الأسرة الدولية لها وتبرعّت بـ 490،7 مليون دولار، منها مائة مليون دولا من المملكة العربية السعودية، لكن هذا المبلغ لا يفي بالحاجة المطلوبة التي قدّرها بعض السياسيين الباكستانيين بحوالي 15 مليار دولار، أما إعادة الإعمار فهي تحتاج إلى ما لا يقل عن 43 مليار دولار حسب المسؤولين الباكستانيين، في حين يرى البنك الدولي أنه لا يمكن معرفة احتياجات باكستان وتكاليف الإعمار إلا بعد انحسار المياه في نهاية شهر سبتمبر الجاري.

بالنسبة لنا نحن المسلمين، وبالرغم من المشاركة المادية والعينية والإنسانية، فإن العمل من أجل الاهتمام بمعاناة الشعب الباكستاني لجهة بث وعي جماعي يستحضر متطلبات الإيمان وشروطه، لم يظهر إلا في حدود ضيقة وكان نصيب المنطقة العربية منها مركّزا في دول الخليج كما هو الحال في السعودية والإمارات، حيث اهتمت الفضائيات المحلية بجمع تبرعات للشعب الباكستاني، حظيت بمشاركة واسعة على المستويين الخليجي والعربي من فئات ثقافية وطبقات اجتماعية مختلفة، ما يعني أن الدول العربية الأخرى محتاجة على المستوى الشعبي إلى مزيد من الكشف عن الوضع في باكستان.

مهما يكن فإن الوضع الكارثي في باكستان، يكشف عن حال الأمة من ناحية التعاون في الأزمات الكبرى، حيث لم نعرف بعد الرد المنتظر من الدول الإسلامية في حال جاءت منح الدول الغنية على غير ما تشتهيه باكستان، وهنا يطرح السؤال التالي: ما جدوى الحديث عن أمّة مسلمة وهي تعاني العجز حتى عند الأزمات الكبرى؟

بالنسبة للذين يحرّكهم الإيمان فإن الأمة الإسلامية موجودة وفاعلة، ولن ينفي أو يغيّب وجودها انشغال غالبية المسلمين عن قضاياهم الكبرى، وأنها تحتاج إلى حكمة متسولة برهوم من الجزائر أو حكمة متسوّلة بغداد، فما قصّتاهما يا ترى؟

منذ ما يزيد عن ربع قرن كنت أسيرا في”بلكور”ـ أحد أحياء الجزائر العاصمة مع الصديق صالح لميش ـ حاليا عميد كلية الحقوق في المسيلة ـ وللعلم هو من مدينة برهوم ـ التابعة لولاية المسيلة وتبعد هذه الأخيرة عن الجزائر العاصمة بـ250كلم، فأثارت انتباهه امرأة متسوّلة، فاقترب منها وسألها: ألست من برهوم؟، قالت: بلا، فسألها مرّة أخرى: ألم يكفك التسوّل في برهوم حتى جئت تشوّهين المنظر العام للجزائر العاصمة؟.. فردّت المرأة: من يريد منكم أن يصبح رئيسا أو وزيرا أو يحصل على أي منصب كبير ومهم يأتي إلى العاصمة، وتريدني أن أبقى في برهوم أتسوّل دنانير معدودات لن تغيّر من وضعي.. لقد جئت إلى العاصمة لكي لا أبقى العمر كلّه متسوّلة.. ثم هل العاصمة لكم وحدكم أم هي عاصمة لكل المواطنين؟.. تبسّم صديقي من قولها، وانصرفنا مندهشين من إجابتها.

الحكمة الثانية من متسوّلة عراقية من بغداد، شاء الله سبحانه أن نلتقي بها في أيام الحج، عند مقبرة شهداء أحد، حيث صعدت الحافلة التي كانت تقلنا مع الصديق العراقي فارس الخطاب ـ كاتب وصحفي ـ وما إن دنت منا تطلب صدقة، حتى سألناها من أي بلاد أنت قالت: من بغداد، فقلنا لها سنتصدق عليك على أن تدعين الله سبحانه أن يفكّ كرب الرئيس صدام حسين، ابتعدت مناّ قليلا، وقالت: أنا أدعو من أجل الرئيس صدام كل وقت وهذا ليس من أجل الحصول على ريالات معدودات.. سألها الدكتور فارس الخطاب: من أجل ماذا إذن؟ قالت بحزن بيّن: لو كان صدام في الحكم اليوم ما وجدتموني متسوّلة هنا في المدينة”.

متسوّلة برهوم وأختها متسوّلة بغداد نطقتا بالحكمة، وما جاءتا به نحتاج إليه اليوم للتعامل مع كارثة باكستان، سواء من ناحية المواقع التي نطلب منها النجدة أو من ناحية القيادات الفاعلة التي تلبيّ صرخة الاستغاثة، ولوم الأسرة الدولية أو التعويل عليها نوع من الهروب لم يعد نافعا في ظل التكتلات الكبرى، وبالتأكيد هو غير نافع في يوم الآخر، وعلينا جميعا أن ندرك مآل النهايات الكبرى للأمم قبل وقوعها، أما الذين لا يهمهم أمر المسلمين فليسوا منهم، والمسألة محسومة على مستوى الإيمان لمن أرد أن يتوب أو يتذكّّر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!