كامب ديفد والخيبة الجديدة
التقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما برؤساء وفود دول الخليج في منتجع كامب ديفد، وهنا للمكان رمزية خاصة جاءت في يوم خاص.. والمشترك دوما القضية العربية الأساسية فلسطين؛ ففي كامب ديفد الأول، تم الاعتراف بشرعية إسرائيل من قبل أكبر وأهم دولة عربية في مواجهة الكيان الصهيوني، حيث وقع الرئيس المصري أنور السادات على اتفاقيات تم بموجبها ترسيم حدودٍ بين مصر وإسرائيل وإنهاء حالة الصراع بينهما، الأمر الذي وجه إلى الأمة طعنة نجلاء في مشروعها التحرري وأمنها القومي.
وفي كامب ديفد، بعد ربع قرن تقريبا، التقى الفلسطينيون والصهاينة بإشراف أمريكي للتوصل إلى اتفاقيات سلام نهائي ومورست الضغوط الأمريكية ومن قبل بعض الأنظمة العربية لإرغام الفلسطينيين على التوقيع على اتفاقية تنهي الصراع، ولكن موقف الزعيم الفلسطيني فجّر الموقف وأنهاه بأن الضعف الفلسطيني والعربي لا يمكن أن يكون مسوغا للاستسلام والتنازل عن الحقوق، فكان قرار الأمريكان والغربيين بقتل ياسر عرفات.
ويجيء كامب ديفد الأخير في يوم ذكرى النكبة بفلسطين، ليمنح الرسمية العربية شهادة جديدة بجهلها وانهماكها في التافه من الأمور واستدراجها لتشغيل المصانع الحربية الأمريكية والفرنسية.. ذهب حكام الخليج إلى كامب ديفد بعد أن عقدوا اجتماعا حضره ابن العم هولاند رئيس فرنسا التي دمّرت ليبيا مؤخرا.. ذهب حكام الخليج إلى كامب ديفد بدعوة من الرئيس الأمريكي أو الأصحّ باستدعاء لكي يشرح لهم المخفي عنهم في الرؤية الأمريكية ولكي يوصلهم الرسالة واضحة لا لبس فيها.. ومن البداية وجد الأمريكان كما الغربيين فرصتهم في ابتزاز الخليجيين إلى آخر قطرة نفط جراء ما أبداه من تخوفات من السياسة الإيرانية وتوسع نفوذها في المنطقة فحملوا معهم ملفات أرادوا فيها تطمينات قوية من السيد الأمريكي.
كان الملف السوري والملف اليمني والملف العراقي والملف البحريني والملف النووي الإيراني.. ففاجأ الرئيس الأمريكي الجميع بأن عليهم أن لا يكثروا الحديث عن الملف النووي، لأن إيران لن تصنع قنبلة ذرية ثم إن السبيل في موضوع إيران هو الحوار المباشر معها، أما الملف السوري فهذا في نظر الرئيس الأمريكي يحتاج إلى عمل سياسي للانتهاء من حالة الصراع الدموي، وفي الملف اليمني، أكد الرئيس الأمريكي أن اليمنيين وحدهم بحوار يمني يمني هم المعنيون بإرساء اتفاق للخروج من أزمتهم، وفي الملف البحريني وجّه الرئيس الأمريكي إلى أن هناك حراكا سياسيا واسعا لابد من إعطائه فرصة التعبير عن نفسه، وأشار إلى ضرورة أن تقف دول الخليج ضد الحركات الإرهابية بقوة وحزم.
عادت الوفود الخليجية فارغة الوفاض، ولكنها أعطت كثيرا الفرصة للمصانع العسكرية الأمريكية، حيث كان مصطلح العسكر والأسلحة هو الأبرز في البيان الختامي.. خيبة جديدة منيت بها السياسة الخليجية بعد أن أشعلت نار سوريا والعراق واليمن.. ذلك لأن للأمريكان فهمهم ورؤيتهم ومصالحهم التي ليس بالضرورة تُعدّل بناء على غضب جماعتنا في الخليج.. فلقد انتهى دور دول الخليج الهامشي في المشاركة في رسم السياسات في المنطقة، وعليهم الآن أن يدفعوا فقط، ولأمريكا وحدها أن تقرر من يكون أصدقاؤها.. تولانا الله برحمته.