-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
أفراح "مشبعة" ببروتوكولات تثير التوتر

كثرة الممنوعات تفسد متعة الأعراس بقاعات الحفلات!

سمير مخربش
  • 2760
  • 0
كثرة الممنوعات تفسد متعة الأعراس بقاعات الحفلات!
ح.م
تعبيرية

لم تعد قاعات الأعراس في سطيف والجزائر عموما، خاصة الكبرى منها، مكانًا للفرح المطلق والتشارك العفوي بين الأهل والأحباب، بقدر ما تحوّلت إلى مسارح مدجّجة بالبروتوكولات والقيود والفرق المكلّفة بفرض النظام وضبط المدعوين، في مشهد بات أقرب إلى حفل رسمي مشحون بالتوتر منه إلى عرس يفترض أن يكون فضاء للبهجة.
البروتوكولات تحوّلت إلى ظاهرة لها أهلها، مع إحالة التنفيذ إلى فرق مبتدعة تتحكم في الحركة داخل قاعات الحفلات عبر العديد من المناطق. للغوص في الظاهرة أخذنا العينة من ولاية سطيف، أين أصبح العريس والعروس يسبقان المدعوين بنشر تعليمات صارمة تُفرض عليهم في خطوة جديدة للتحكم في أعراس تتحول في أي لحظة إلى بؤرة توتر. والطفرة الكبرى جاءت مع ظهور فرق خاصة ترتدي قمصانا موحدة كتب عليها “ممنوع التصوير”، هؤلاء يتحركون بين المدعوين بعيون تترصد وتترقب أي هاتف يُرفع في اتجاه العروس، فيتدخلون فورًا لمنع التصوير، وقد يصل الأمر إلى تحذير علني أو حتى سحب الهاتف. وهذه من حيث المبدأ، فكرة صائبة لحفظ الحرمات، ومنع تداول صور المدعوات على مواقع التواصل، مع ما ينجر على ذلك من مشاكل، لكن الطريقة التي يتم بها فرض منع التصوير، هي التي تثير التحفظ.

مقاطعة وانسحاب بسبب التعليمات المزعجة
إحدى المدعوات حضرت حفل زفاف أحد أقاربها في قاعة فاخرة بسطيف، تقول بحرقة في تصريح لـ”الشروق اليومي”: “كأننا في ثكنة عسكرية، جئتُ أبارك للعروس، انتهى بي المطاف محاصرة من طرف فتيات كأنني ارتكبت جريمة”، مؤكدة أن هذا التضييق أفسد عليها وعلى عائلتها متعة الحفل، خصوصًا بعد أن طُلب منها حذف صورة التقطتها لابنتها أمام العروس.
الهدف من هذه التصرفات هو حماية الخصوصية، ومنع نشر صور العروس من دون إذن، لكن الوسيلة خلّفت سخطا واسعًا وسط المدعوين وخاصة المقربين الذين وجدوا أنفسهم من المبعدين، وكأنهم غرباء لا تربطهم أي صلة بالعروس. وفي اتصال مع السيدة نصيرة، منظمة حفلات بسطيف تقول: “بعض العائلات تُصر على هذه الفرقة، بل تدفع أجرًا إضافيًا لضمان رقابة مشدّدة على كل الهواتف، خوفًا من التسريبات”، لكن في نفس الوقت تعترف نصيرة بأن هذه الفرق “أصبحت مصدر توتر دائم وسببًا في مشاحنات تتكرر مع كل حفل”.

أطفال عرضة لـ”القمع”
إلى جانب هذه الفرقة، ظهرت فرقة أخرى يرتدي أفرادها قمصانًا كتب عليها “ممنوع دوران الأطفال”، مهمتهم الأساسية هي ملاحقة الصغار ومنعهم من اللعب أو الوقوف بين الطاولات. المشهد بدا غريبًا ومستفزًا للعديد من الأولياء، الذين تفاجأوا بمنع أبنائهم من التحرك أو التفاعل مع الأجواء بحجة حماية النظام العام داخل القاعة.
“ابنتي أرادت الرقص مع بنات خالاتها، فإذا بفتاة من فرق التنظيم توقفها وتقول لها اجلسي فورًا” تروي أم آمنة، وهي أم لثلاثة أطفال حضرت عرسًا عائليًا، لكنها خرجت منه وهي تذرف الدموع بسبب إحراج ابنتها الصغيرة. وتضيف بغضب: “من لم يقبل الأطفال، فليجعل حفله للكهول والعجائز فقط”.
ويؤكد بعض منظمي الأعراس أن هذه التعليمات تأتي مباشرة من أصحاب الحفل، خاصة العرسان، الذين يريدون فرض نظام صارم في تفاصيل الزفاف. يقول سالم، صاحب قاعة حفلات ببلدية العلمة: “بعض العرسان يطلبون منع الأطفال منعًا باتًا أو تشغيل فرقة خاصة لضبطهم. هم يرون أن العرس يجب أن يكون مرتبًا، بلا صراخ أو فوضى أو حتى ضحك زائد، ولذلك تجد في بعض القاعات ألعابا في الفناء لإلهاء الأطفال ومنعهم من التجول في قاعة المدعوين، وفي حالة أي تسرب وجب التدخل”.
ولا تتوقف حلقات البروتوكول عند هذا الحد، إذ هناك فرقة أخرى مكلفة حصريًا بخدمة المدعوين وتوزيع الأطباق. هؤلاء يدخلون أحيانًا في مشادات كلامية مع بعض الحضور، خاصة عند الاعتراض على نوعية الطعام أو تأخره. وتقول حنان التي حضرت عرسًا في قاعة حفلات: “طلبنا إعادة تسخين الطبق، لأنه بارد، فردت علينا النادلة بأن التعليمات لا تسمح بذلك، شعرت وكأني أطلب معروفًا”.
كل هذه الفرق، التي تشبه إلى حد كبير “أجهزة أمنية مصغرة”، جعلت من بعض الأعراس تجربة ثقيلة، لا تخلو من الشجارات والامتعاض والانسحاب المبكر للضيوف.

فضاء مادي فاقد للدفء والعفوية
في المقابل، يحنّ البعض إلى أعراس زمان، تلك التي كانت تُنظم في الخيم والساحات والبيوت والمستودعات التي يفتحها الجيران لأصحاب العرس، حيث كانت البساطة سيدة الموقف، والفرح كان يُنثر عفويًا من دون تصنّع. “كنا نغني ونرقص ونأكل في صحن واحد، بلا بروتوكولات ولا طهاة مستوردين ولا مراقبين، كانت الأعراس بركة لا بهرجة”، تقول الخالة عقيلة، سبعينية من بلدية عين ولمان بولاية سطيف.
ومن زاوية علمية واجتماعية، يرى سليمان قرومي، المختص في علم الاجتماع، أن ما يجري في الأعراس الحديثة هو انعكاس مباشر لما يسميه بـ”منظومة الاستعراض الاجتماعي”، موضحًا “لم تعد الأعراس طقسًا للفرح فقط، بل أصبحت منبرًا للمقارنة الاجتماعية، وللتموقع الطبقي. العائلات تتباهى أمام بعضها بمستوى الحفل، ونوع الطعام، وحتى صرامة التنظيم، ولو على حساب راحة المدعوين. هذا الهوس بالظهور يدفع بالعائلات إلى اعتماد فرق تنظيم متشدّدة، تقتل روح الفرح وتستبدلها بمنطق العرض والرقابة.” ويحذر قرومي في حديثه معنا من استمرار هذه الظاهرة إذ يقول: “قد تؤدي هذه البروتوكولات إلى تفريغ العرس من مضمونه الإنساني، وتحويله إلى فضاء مادي فاقد للدفء والعفوية”.
البروتوكولات التي ذكرناها ليست مجانية، بل تكلف مصاريف إضافية يتكبدها أصحاب العرس الذين يُغرقون أنفسهم في تكاليف ضخمة من أجل إقامة أعراس “تُرضي الآخرين”، وسط سباق ساخن نحو التفاخر والتباهي، لتصبح النتيجة حفلات يطغى عليها التوتر، وتغيب عنها البهجة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!