كذب المنجمون ولو صدقوا؟
عندما يُصدّق جزائري أنه بالإمكان تحويل أوراق بيضاء إلى أورو أو دولار بحبر سرّي قادم من أدغال إفريقيا، وعندما تُصدق جزائرية أن خلطة مكوّنة من أعشاب قادمة من الساحل الإفريقي بإمكانها أن تمنحها البنين والبنات…
-
وعندما يمنح جزائريون ما جمعوه طوال العمر من مال على طبق لإفريقي مجهول لا يمتلك أكثر من فرنكات للإبحار عبر الأنترنت، أوهمهم بالعيش في جنة الملايير: فمعنى ذلك أن فينا أناسا مازالوا يصدّقون المنجمين ولو كذبوا.. بل حتى لو كفروا، أناسا لهم قابلية للاستعمار، ليس من الجحافل القادمة من الشمال المتقدم، وإنما من الأوهام والخزعبلات التي ينسجها أفارقة، حاصرهم الجوع ففكّوا قيوده بالاحتيال على جزائريين.
-
ما نشرته الشروق اليومي عن تمكّن ساحر إفريقي من جمع مئة مليار من جيوب السذّج في مدننا الكبرى، وليس في القرى النائية، وما حدث في تبسة عندما كشفت مصالح الأمن متزوجات في بيت مشعوذ إفريقي، أوهمهن بالأولاد وبالشفاء من الأمراض فمنحنه الأغراض وربما الأعراض! وما حدث في سطيف من تمكن إفريقي من اللعب بأثرياء المدينة الذين طمعوا في أموال مُعدم، فقلب الطاولة على رؤوسهم فألحقهم بعدمه، والتحق هو بثرائهم وما خفي كان أعظم وأخطر، وهو بالتأكيد دليل على أن التعليم عندنا لم يُمكّن الكثير من الجزائريين من الكفر بالخرافات إلى الأبد، والإيمان بأن العلم والعمل وحدهما من يقتلان الفقر والمرض والفشل الذين تمثلوا في رجال يمشون بيننا.
-
عندما أعلن الإسلام في دستوره الخالد “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، كان الهدف أن نؤثر نحن في الناس بعزتنا، فنتعارف مع أهل الشمال كما نتعارف مع أهل الجنوب، مُسلحين بتقوانا وبكرامتنا، ليس أن نبقى نتعلم الميوعة وقشور التكنولوجيا من الشمال، وطرق الاحتيال والهجرة السرية من الجنوب، فيأخذ الشمال من يد الدولة بترولنا بمشاريع معظمها فاشل، ويأخذ الجنوب من يد الشعب ما تبقى من أموالنا بخزعبلات، لا يمكن لأبله في بنغلاداش أو كوستاريكا أو السيشل أن يصدقها، فما بالك بعامة الناس في كل بلدان المعمورة.
-
نحفظ جميعا أن المنجمين يكذبون حتى ولو صدقوا، ومع ذلك تنجح ألاعيبهم وأكاذيبهم في فرش “مطارح” لها في بيوتنا، حتى وإن كانت من أفارقة عجزوا عن مداواة أنفسهم من المرض ومن الفقر ومن التخلف ومن الفتن، التي مزقت القارة السمراء وجعلتها ساحة معركة لا تنطفئ أبدا.
-
القاعدة القانونية التي نرددها دائما على أسماع كل من يطمع بغفلته في كنوز وهمية، فيدفع ما في جيبه، فيخسر وقته وماله ومعنوياته، هي أن “القانون لا يحمي المغفلين”، ولكننا الآن نتمنى أن يعاقب هذا القانون المغفلين، لأنهم لم يشوهوا صورتهم فقط، بل شوّهوا الوطن والمواطن بغفلتهم وسذاجتهم، التي جعلتهم يُباعون كما بيع “كونتا كينتي” منذ عقود.