-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كرد وتحت الثلج “2”

سهيل الخالدي
  • 3284
  • 0
كرد وتحت الثلج “2”
ح.م

بغض النظر عن كتابات بعض المتشنجين من القوميين العرب، وبغض النظر عن تقاضي الحركة القومية العربية في أعقاب الحرب العالمية عن بحث موضوعي الموقف من الأقليات في الداخل، والعلاقة مع دول الجوار.. وذلك لانشغال هذه الحركة وانغماسها بالكامل في موضوع التحرر مع الاحتلال الأوروبي ومقاومة المشروع الصهيوني، بغض النظر عن تلك التشنجات وهذا التغضي، فإن العرب وحدهم الذين أنصفوا الأكراد، واعتبروهم أمة جارة وشقيقة في الدين، فرغم أن العرب لم يشاركوا في اتفاقية سايكس – بيكو بين فرنسا وبريطانيا عام 1916 وبالتالي لم يرسموا خريطة دولهم، إلا أنهم اعترفوا بالأكراد. وجاء في الدستور العراقي عام 1920 أن الأكراد شركاء في الوطن العراقي، ولم يستثمر رؤساء العشائر الكردية هذا الاعتراف المبدئي بهم، فآثر بعضهم أن يتحرك ضد هذه الدولة أو تلك في دول الجوار ومن بينها العراق، لصالح هذه الدولة الكبرى أو تلك.

ولا يمكن للمؤرخ المنصف إلا التساؤل عن سر هذا الدور الذي لعبه، ولا يزال، بعض زعماء الأكراد ضد العراق وضد العرب عموما، رغم أن الدولتين العربيتين المعنيتين جغرافيا بالقضية الكدرية هما العراق وسورية فقط.

.

الموقف العراقي من الأكراد

فإقرار العراق المبكر بشراكة الأكراد في الوطن الذي رسمته اتفاقية سايكس بيكو، لم يكن من الفراغ بل يعود إلى القرن التاسع عشر، ففي عام صدرت أول صحيفة في التاريخ باللغة الكردية.

وفي عام 1958 بعد ثورة العراق التي أطاحت بالحكم الملكي الهاشمي نص الدستور المؤقت على شراكة عربية كردية في العراق، لكن هذه الثورة التي كانت جزءا من حركة القومية العربية التي تزعمها آنذاك مشكلات تصنفها الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل فأعلن مصطفى البرازاني هذه المرة الحرب على بغداد في سبتمبر 1961.

ومع ذلك حين احتج السفير التركي في القاهرة لجمال عبد الناصر على فتح إذاعة كردية في القاهرة، قال له عبد الناصر: إنكم لا تعترفون بوجود أمة كردية فما الذي يزعجكم في إذاعة لأمة غير موجودة؟!

إذن فإن العرب يعترفون بوجود أمة كردية، وهو مكسب لم يحصل عليه الأكراد حتى اليوم لا من إيران ولا من تركيا.. فلماذا كان تصرف زعاماتهم العشائرية سيئا إلى هذا الحد؟ لماذا لم يحسنوا اختيار حلفائهم؟ وعلى عكس ما يتصور الجميع فإن الاعتراف بالأمة الكردية وثقافتها وجيراتها جاء من حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، فقد نص دستور العراق لعام 1970 على ذلك صراحة حين قال إن العراق يتكون من القوميتين العربية والكردية.. وأتبع ذلك بقانون الحكم الذاتي للأكراد عام 1974. وقد قال لي عبيد الله البرازاني الذي صار وزير الحكم الذاتي في بغداد، ويقال إن شقيقه مسعود هو الذي اغتاله بسبب هذا الحكم، قال إن صدام حسين أبلغه بأنه يعتبر الأكراد أمة مجاورة، وهو مستعد لتلبية كل طلباتها باستثناء الاستقلال، لأن حدود العراق لم يرسمها العراقيون بل رسمتها الدول الكبرى وهي التي بيدها استقلال الأكراد، فهذه الدول أعطت الأهواز العراقية إلى إيران.

وبالفعل حين كنت أعمل في العراق خلال الفترة 1975 – 1979 – زارني في بغداد المرحوم محمد رزاق لبزة، رئيس تحرير المجاهد الأسبوعي، وزرنا معا الإذاعة الكردية التي كان يرأسها صديق له كردي، بل كنت أكتب في يومية يصدرها الأكراد باللغة العربية اسمها التآخي، وكانت هناك جامعة كردية فقسم الدراسات الكردية بدأ في جامعة بغداد منذ ستينيات القرن الماضي.

لكن السؤال هو: لماذا أعلن مصطفى البرازاني الحرب على بغداد منذ 1961 وظل يواصل هذه الحرب ولم يستجب لنداءات وقرارات رئيس الوزراء العراقي بعد الرحمن البزاز بأن حل المشكلة الكردية حل سياسي، وقد كانت النتيجة المباشرة التي حصل عليها مصطفى البرازاني حكمين بالإعدام صدرا في حقه في كل من طهران وبغداد. وظل البرازاني يواصل رفض الحلول السياسية القادمة من بغداد، مما دعا قبيلة طالبان المنافسة الأساسية لقبيلة برزان إلى تأسيس حزبها برئاسة جلال طالباني رئيس جمهورية العراق حاليا، وقد ظل طالباني قريبا من النظام العراقي ثم النظام السوري، بينما ظل البرازاني محسوبا على إيران.. إلى أن تم طرده في أعقاب رفضه الاتفاق الذي عقد في الجزائر بين شاه إيران وصدام حسين نائب الرئيس العراقي آنذاك.

وكان هذا الاتفاق قد عقد حسب بعض المصادر الإعلامية بطلب من الرئيس الأمريكي نيكسون من الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، وقد استعد بومدين للقيام بهذا المسعى بين الطرفين الإيراني والعراقي مقابل أن تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لحل المشكلة الفلسطينية وبالفعل اتخذت أمريكا عدة إجراءات في هذا الطريق بدءا من فتح مكتب إعلامي لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن. وطبعا فإن المشكلة الكردية هي جزء من المشكلة الإيرانية العراقية، فقام الشاه بإخراج البرازاني من طهران فذهب إلى أمريكا ومات فيها، وفي وقت لاحق لم تسمح أمريكا للشاه الذي طالما خدمها بأن تطأ قدماه أرضها.. فذهب مضطرا إلى مصر التي طالما عاداها ومات فيها.

ولا بد من القول، ونحن نتحدث عن الموقف العراقي، إن الحكومات العراقية المتعاقبة كانت من ناحيتها تتلاعب بالقيادات الكردية مثلها مثل دول الإقليم، فليس هناك من لم يتلاعب بهم، حتى إسرائيل، وكل له أسبابه فزعماء العشائر ثم الأحزاب الكردية كانوا ولا زالوا يعرضون أنفسهم في سوق السياسة الإقليمية والدولية.

والمثير في هذا السوق هو موقف الولايات المتحدة الأمريكية، فهذه الإمبراطورية ومعها الدول الكبرى وبعض الدول الإقليمية التي قالت بعد 2003 إن نظام العراق استعمل أسلحة بيولوجية وارتكب مجازر ضد مدن كردية بعينها… في ثمانينات القرن الماضي خلال حربه مع إيران، المثير هو أن هذه الدول سكتت تماما في الثمانينات عن هذا السولك، ولم تتحدث به إلا بعد سقوط النظام في العراق والقبض على صدام حسين.. رغم أنها كانت تعلم بالتفصيل بكل ما يجري خلال تلك الحرب.

وها نحن نرى اليوم أن أكراد العراق بزعامة مسعود البرازاني أبعد ما يكونوا عن تحقيق الوعود التي أعطيت لهم بعد احتلال العراق وخلال التمهيد له، فالمصالح الأمريكية والأوروبية والإقليمية هي مع دول إيران وتركيا أكثر منها مع الأكراد.. بل إن العرب والعراق على وجه التحديد رغم ما يقوله البعض ليس بحاجة إلى نفط كركوك، فلديه ما يكفي من النفط سواء في الوسط أم الجنوب. وبالتالي هي ورقة لا تشكل ضغطا حقيقيا على حكومة بغداد، وها هو المالكي يتحرك عسكريا ضد البرازاني، والمالكي لا يتحرك بمثل هذه الكيفية قبل الحصول على ضوء أخضر من واشنطن وطهران وأنقرة وغيرها، في المنطقة وخارجها، لذلك ليس لنا أن نتوقع ظهور دولة كردية بزعامة البرازاني في المدى المنظور.

.

الموقف السوري من الأكراد

في واقع الأمر لم يحدثنا التاريخ عن مشكلة كردية عربية في سورية، فالسوريون مثلهم مثل العرب في العراق وغير العراق ينظرون بقداسة إلى البطل صلاح الدين الأيوبي وهو كردي من تكريت (بلد صدام حسين في العراق) بل إن العائلات الكردية التي سكنت دمشق منذ تلك العصور حكمتها، وقد تعرّب أكراد دمشق من مدخل الدين الإسلامي، وتبوأوا أعلى المراكز الاجتماعية والسياسية والدينية، فالشيخ البوطي والشيخ حبنكة هم من هذه العائلات، بل يمكن القول إن حسني الزعيم أول من قام بانقلاب عسكري في الوطن العربي في أواخر أربعينيات القرن الماضي وصار رئيسا للجمهورية السورية هو من أصل كردي.

ربما كانت المشكلة الكردية تظهر في شمال سورية الملاصق لتركيا خاصة في منطقة القامشلي، ولم تبدأ هذه المشكلة بالظهور الفعلي إلا في ثلاثينيات القرن العشرين حين خالفت فرنسا اتفاقيتها مع بريطانيا “سايكس – بيكو” حيث اقتطعت لواء الاسكندرون الذي كل سكانه من العرب العلويين ومنحته لتركيا، وهكذا قررت الحكومات السورية اعتبار الأراضي التي يسكنها الأكراد في الشمال جزءا من الأراضي السورية، لكنها لم تعتبر سكانها الأكراد مواطنين سوريين، وقد انعكست هذه السياسة سلبيا على الوضع القانوني لهؤلاء أمام قوانين الجنسية السورية وعلى الموقف من ثقافتهم وتاريخهم.. لقد ظل الحذر يطبع علاقة العاصمة دمشق بهؤلاء وهي تتخوف من أن تستغلهم تركيا أو حتى جماعات البرازاني في شمال العراق المجاور لشمال شرق سورية.

وجاءت الفرصة على طبق من ذهب لنظام حافظ الأسد ليلعب هو أضيا بالورقة الكروية فأيد بقوة حزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان الذي أعلن “الثورة” ضد تركيا.. وقد كاد هذا التأييد أن يؤدي إلى حرب بين تركيا وسورية، فتخلى حافظ الأسد عن أوجلان وأغلق مقراته ومعسكراته في كل سورية، فذهب أوجلان إلى اليونان عدو تركيا التقليدي، لكنها طردته إلى كينيا، فقامت قوة عسكرية تركية على الطريقة الأمريكية – الإسرائيلية باختطافه من كينيا وها هو سجينا في إحدى الجزر التركية، وطبعا لا يمكن أن تتم مثل هذه العملية سياسيا وعسكريا دون موافقة واشنطن.

وكان حافظ الأسد لحفظ توازناته السياسية الشهيرة، قد أيد جلال طالباني المقرب من صدام حسين وغير المحسوب على السوفيات مثل أوجلان، وهذا فتح لطالباني مجالا بين أكراد القامشلي يساوم بهم الأتراك وأوجلان.

ورغم كل هذا الحراك السياسي والعسكري تحت عنوان القضية الكردية، إلا أن النظام في سورية أسدل ستارا كثيفا على هذه القضية. وكان الإعلام السوري لا يعتبرها موجودة أصلا، بينما العالم العربي حول سورية لم يعد هو العالم الذي كان في ثلاثينيات أو أربعينيات القرن الماضي، كما أن العالم في سائر أرجاء القارات تحرّك ولم يعد صحيحا الإهمال أو التغاضي عن جمعية رأي، فكيف الحال مع قضية بحجم وملابسات القضية الكردية؟

وفي 2011 مع انفجار الحراك الاجتماعي السوري انفجرت القضية الكردية، وأكراد سورية هم اليوم في مأزق شديد، هل هم مع الانفصال، هل هم مع تركيا؟ هل هم مع البرازاني؟ هل هم مع جلال الطالباني؟.. هل هم أصدقاء أم أعداء للعرب السوريين؟.. نعم لقد أخطأ النظام السري في حقهم أخطاء يجب أن يحاسبه عليها المواطن العربي قبل الكردي، لكن السياسيين الأكراد في شمال سورية اقترفوا ذات الخطيئة التي اقترفها زعماء الأكراد في شمال العراق، فألقوا بأنفسهم وشعبهم في أحضان أجنبية غير دافئة.

وفي الخلاصة أعتقد أنه سيأتي يوم على الأمة الكردية تحاسب فيه بشدة زعماءها، فإذا كان الحكام العرب هم رؤساء مخافر لدى الدول الاستعمارية يأتمرون بأمرها فقادوا العرب إلى هذا الوضع المأساوي فإن زعماء العشائر الكردية جعلوا من أنفسهم أقل من ذلك، فهم ليسوا أكثر من “أونباشي” “عريف شرطة” لدى ذات الدول، فأساؤوا بذلك إلى حضن الشعب العربي الذي دفأهم طوال قرون، فالعرب الأمة الوحيدة التي اعترفت عبر تاريخها بالأكراد أمة وثقافة وأرضا.. وهو ما أضاعته العشائر الكردية، النافذة.. مما يعني أن الشعب الكردي سيحاكمها لحظة أن يستفيق، فالعرب لن يظلوا يحترقون بهذه النار التي تسلط عليهم والأكراد لن يدفنوا تحت الثلوج التي يغمرون بها..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!