..كفى تبذيرا !
راعني كثيرا رسالة نصية من وزارة الموارد المائية تطلب من “الزبائن الكرام” التوقف عن “تبذير الماء”، والحقيقة إن العملية مرحّب بها ومفيدة، لكن المعروف عند غالبيتنا الساحقة أو المطلقة، إن “كل محظور مرغوب”!
مشكلتنا أن “التغنانت” ومنطق “معزة ولو طارت”، هي السائدة والمتحكمة في تصرفاتنا وتحركاتنا، ولذلك فإن الأمر عندما يتعلق بعقلية “الأمر”، فإن السحر فيه ينقلب على الساحر، ولا يُمكن إنجاح أيّ عملية انطلاقا مع نفسية “الزبائن” التي ترفض الامتثال للأوامر!
تصوّروا كيف لا يحترم الكثيرون إشارة “قف” في الطرقات، ويتسببون في حوادث مرور قاتلة، وإذا وبّخهم المارة، ثاروا ضدهم، واعتبروا تلك الإشارة “غير قانونية”، أو في أحسن الأحوال برّروا خطأهم الجسيم بكلمة مستفزة ومختزلة: “ما شفنهاش”!
عندما يتحوّل التعدّي إلى ثقافة وسيرة وتقليد، فهذا هو الخطر، فلو تعلق الحال بحالات انفرادية ومعزولة، لما حدث ما يحدث من تجاوزات وانحرافات تهزّ كيان المجتمع، وتتعامل مع القانون بخطة “النصب والاحتيال”، بهدف تفادي التجريم والتغريم!
“كفى تبذيرا”.. لا تخصّ الموارد المائية فقط، وإنما تخصّ التسيير وطريقة الاستهلاك في البيت والمؤسسة والشركة والشارع والمدرسة، ولكم أن تقيّموا مثلا سياسة التقشف في مختلف الإدارات التي حوّلها مسيّرون إلى مجرّد “هفّ” يُنقصون به دنانير، ثم يلهفونها بعيدا عن الأنظار والرقابة!
هل بإمكان “الجهة الآمرة”، أو صاحبة المشروع، أن تـُجبر ملاك المسابح والمغاسل والمصانع، وغيرها، على توقيف تبذير المياه؟.. سؤال مهم، والإجابة عنه أهم، لكن يكفي أن يرى أيّ ملاحظ لتسرّبات المياه عند باب شركة توزيع وتطهير المياه مثلا، ليُدرك بأن الأمر جلل!
على محاربي التبذير أن يُحاربوه في دواخلهم أولا، حتى يمتلكوا المصداقية الكافية لإنجاح مبادرتهم، وماعدا ذلك، فإنهم كمن يؤذن في مالطا، أو يضرب الريح بالعصا، لأن أنشودتهم تـُلقى داخل حجرة بها صمّ بُكم عمي، لا يسمعون ولا يتكلمون ولا يرون!
لقد فعل بنا مرض “تخطي راسي”، ما فعله العدوّ بعدوه، ولهذا من الصعب تقويم الاعوجاج، فقد استشرى الوباء وأكل الأخضر واليابس، وأخطر ما في الموضوع أنه أكل الرؤوس فأكل القدرة على التفكير والتغيير!