كلّ الجزائريين علي لابوانت!
الزوبعة التي أثارها الفيلم الوثائقي لقناة “فرانس 2” العمومية، بشأن مطلب اعتذار فرنسا عن جرائمها الاستعمارية، يعطي الانطباع، بل يؤكد، أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية، فجّرت قنابل وصراعات، بين “العصب” المتهارشة على عرش الإليزيه، فعندما يُطالب فرنسيون باعتراف واعتذار فرنسا عن الجرائم الاستعمارية في الجزائر، فهذا دليل على أن محلّ ساركوزي من إعراب الرئاسيات أضحى قاب قوسين أو أدنى!
لقد فضح الفيلم الوثائقي الذي جاء بعد ساعات قليلة فقط، عن تصريحات استفزازية للرئيس الفرنسي، جرائم الاستعمار، بالصوت والصورة، وقدّم اعترافات وشهادات أضعفت الموقف الرسمي لـ”الزمرة” الفرنسية التي مازالت تصبّ البنزين على النار لتلهب العلاقات الثنائية بين فرنسا و”مستعمرتها القديمة”، الجزائر التي مازالت متمسّكة بمطلب الاعتذار والتعويض!
نعم، لقد سكبت قناة “فرانس 2” العمومية، الماء الساخن على رأس ساركو، مباشرة بعد إعلانه رفض فرنسا الاعتذار عن جرائمها للجزائر التي زعم بأنها ارتكبت من جانبها “جرائم” في حقّ الحركى، فالفيلم الوثائقي، حتى وإن تمّ برمجته بالصدفة مع تلك الاستفزازات، فإنه كان بمثابة رصاصة الرحمة فيما تبقي من عهدة لساركوزي وجماعته!
خرجة التلفزيون العمومي الفرنسي، يعطي الانطباع، برأي مراقبين، أن أطرافا قوية ونافذة في الإدارة الفرنسية، أرادت الرّد على الرئيس، فوجدت في الصور اللاإنسانية الصادمة ردّا قويا ومفحما لساركوزي، الذي يبدو أن دوائر قوية داخل السلطة الفرنسية ولوبيات خارجها، تريد أن تقطع لسانه، خاصة في هذه المرحلة، حتى لا يتكلم باسمها!
السيناريوهات والاحتمالات، لا تستبعد أيضا، أن يكون ساركو وراء تحريك “فرانس 2” بمهماز غمّاز لمّاز، من أجل التمويه، وخلط الأوراق، وإيهام الرأي العام أن هناك “حرية” في الرأي والمواقف داخل فرنسا، بشأن ملف “الذاكرة التاريخية”، أي أن ساركو يُريد أن يستغلّ ذلك لأغراض انتخابية تطيل عمره بالإليزيه، وإن كان هذا السيناريو يبقى مستبعدا طالما أنه سقط فوق رأس “صديق” الحركى والمدافع عنهم!
اختيار ساركوزي للحركى، لا يُمكنه أن ينفعه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، طالما هناك أوساط تقف ضدّ هذا التيّار، وهذا الاختيار الأبله والاستعراضي، الذي حتى وإن أكسب ساركوزي “حليفا تقليديا” فإنه سيُفقده شرائح واسعة من الفرنسيين يطالبون بأنفسهم بضرورة الاعتذار عن الجرائم وتسوية آثار الذاكرة التاريخية مع الجزائر!
حتى وإن قال ساركوزي وشلته من أمثال كوشنير، أن “الأبناء لا يعتذرون عن أخطاء الآباء”، وحتى إن حلموا بـ”انقراض جيل الثورة“، فإن هؤلاء يُدركون جيّدا، بأن علي لابوانت والعربي بن مهيدي وعميروش وديدوش وزبانة والأمير عبد القادر والشيخ بوعمامة وهواري بومدين، مازالوا أحياء في نفوس كلّ الجزائريين، فجيل الاستقلال من جيل الثورة!
يا فرنسا.. مثلما استشهد مليون ونصف مليون من الشهداء الأبرار، ولم يستسلموا، فإن كلّ الجزائريين الأحرار يكفرون بالركوع والسجود لغير الله، ويكفرون بالاستسلام والانبطاح والتنازل، وإذا ماتو “يموتوا واقفين“، وهذه صناعة “ماد إين ألجيريا” حصريا.