كما تكونوا يولى عليكم
ما الفرق بين كريم يونس الذي كان رئيسا للبرلمان واستقال، وبين بوشاشي مثلا، الذي كان أيضا نائبا في نفس البرلمان واستقال؟.
كيف يكون الأول رمزا من رموز النظام، وجاء من أجل تدوير النظام، بينما يكون الثاني رمزا من رموز الحراك، وأيقونته التي لا تمس بسوء؟
في العمق، لا أكاد أجد فرقا كبيرا بين السلطة القائمة، منذ الستينات إلى اليوم، وبين المعارضات الغوغائية، التي ظلت تنادي مثلا بالحق في التداول على السلطة، وهي تمارس أبشع أنواع الأحادية وترفض تطبيق نفس المبدأ الذي تنادي به، في تغيير رؤساء تلك الأحزاب التي جاوز بعضهم الثلاثة عقود من النشوة “الزعاماتية”؟
ظلت لويزة حنون ثلاثة عقود، تنظر للعمال و(البروليتاريا)، وقد صدقها الآلاف، واعتقدوا في وقت من الأوقات، أنها تصلح أن تكون رئيسة على الجزائر، قبل أن ينتهي بها المطاف إلى سجن البليدة، بتهمة التآمر والتخطيط للانقلاب.
وظل جاب الله نفس المدة وربما أكثر، عنوانا بارزا للشيخ الذي لا يتزحزح عن عرش “المشيخة”.. حتى إذا انهار حزب له أو حركة بسبب ذلك، أنشأ أخرى، وها هو الشيخ ينظر في الفقه الدستوري، في كيفية بناء دولة المؤسسات.
بل إن الأفافاس الذي تم تسويقه أنه أقدم حزب ديمقراطي، لولا أن زعيمه آيت أحمد توفاه الله، لظل على رأسه رغم ما يظهر من “سكريتاريات” ملفقة، وها هي النتيجة اليوم، حزب مهشم يتصارع مناضلوه بالكراسي للسيطرة على مقره المركزي.
ولا أتحدث عن أحزاب الموالاة، كيف صارت تتصدر الحراك، ولا كيف صار ثلاثة أرباع شباب الأرندي شاركوا في هذا الحراك، كما صرح رئيسه الجديد، ولا كيف لمدير حملة بوتفليقة يصبح “مرشح الشعب المحتمل”؟
هنا لا أجد أيضا، أدنى فرق، بين سلطة قامعة، مارست الإقصاء والتهميش، ضد المعارضين والمخالفين، وبين حراك يمارس نفس الأساليب والأدوات، مع من يختلفون في الرؤى والشعارات.
السلطة التي امتلكت أدوات القوة، ظلت تقصي المعارضين لها، وتعنفهم إذا حاولوا الاحتجاج، وقد تدخلهم السجن، لأن رؤوسهم “خشنة”، بينما يمزق الحراك شعارات ويبقي أخرى، وينزل صورا ويدفع أخرى، وكل ذلك تحت مسمى ثورة الحرية.
لقد كان بوتفيلقة يتحدث عن حكم الشاذلي باستهتار ويقدم نفسه أنه المنقذ الذي سوف يخرج الجزائر من كل أزماتها، والمشكل أن الملايين صدقته في البداية، اعتقدوا أن الرجل قادم من الزمن (البوميديني) الجميل، وأن فصاحته في الخطابة، ربما ستعيد لهم بعض ما ضيعوه مع ركاكة الشاذلي.. وإذ بنا نستيقظ على ديكتاتور كبير، إذا ما قورن مع الشاذلي سيظهر هذا الأخير من ملائكة الرحمة.
والذين يتصورون أن الشخصيات التي يمكن أن ترشحها المعارضة لتمثل الحراك أو إدارة الحوار، هم أفضل من الذين استدعتهم السلطة، هم أيضا واهمون، لأن السلطة تخدم مصالحها المعروفة، بينما بعض المعارضات تخدم مصالح مشغليهم الخفية.
دعونا نكن واقعيين، من يتصور أنه منزه عن الأخطاء، وأنه من فصيلة ملائكية، لا يضع يده في أيدي الملوثين من شياطين الحكم والسلطة، فهو مسكين لا يعلم أن من يجلس إليهم من “الشرفاء”، هم أنفسهم من يبيعون ويشترون فيه، ويضعون رأسه في المزاد إذا اقتضى الأمر، وهو لا يعلم.
السياسة ليست أخلاقا بقدر ما هي مصالح، ومصلحة الجزائر اليوم، تقتضي أن لا ننبش كثيرا في تاريخ بعضنا البعض إذا ما أردنا أن نسير إلى الأمام.. (فمن كان بلا خطيئة فليرمها بحجر).
ومرة أخرى، لا حل لهذه المعضلة إلا بالانتخابات، الانتخابات الشفافة والنزيهة، حتى إذا ما أخطأ الشعب لا قدر الله في اختياراته، وحده من سيتحمل المسؤولية، لأنه حينها يكون قد اختار الشخص الذي يشبه هذا الشعب والذي يستحقه فعلا.
وقد جاء في الأثر، كما تكونوا يولى عليكم.