كوريا الجنوبية.. العملاق الواقف أو معجزة شرق أسيا
أطلق عليها إسم معجزة شرق أسيا، أو المعجزة الاقتصادية على نهر الهانغ كانغ، هذاالنهر الذي يشق العاصمة سيول، إنها كوريا الجنوبية، الدولة التي جمعت بين المتناقضات ورغم النزاعات والحرب الأهلية والحدود الملتهبة، إنتزعت مكانا لها في نادي الكبار بامتياز، وبعد أن عرفت بأنها واحدة من أكثر المجتمعات الزراعية فقرا، تمكنت من تنفيذ تنمية إقتصادية، وسجّل تاريخها تحدي رجل مزارع فقير كان له الفضل الكبير على الكوريين الذين ولوّه عليهم وفوّضوه أمورهم، ورغم ذلك لم يوفوا دينا بحجم بنية تحتية من جسور وطرقات ومصانع للطاقة النووية، مازال الكوريون يقطفون ثماره.
هذه الدولة التي استطاعت من القليل أن تصنع الكثير، أصبحت تزاحم اليابان، ثاني قوة اقتصادية في العالم، وأرغمت الصين على أن تحسب لها ألف حساب، وبعد أن طرقت منتجاتها العالم، إنفتحت على مختلف الديانات والثقافات، فتمكنت أن تضمن مناخا لتعايش الديانات، ووقفت “الشروق” عند جموع مسلمي كوريا متجهين إلى المسجد الكبير بسيول.
عندما تتحول المآسي إلى إستثمار
كوريا التي أرهقتها الحرب الأهلية، استطاعت أن تحد مآسيها وتلملم جراحها، فجعلت محطة من محطات ألامها معلما من المعالم السياحية، وموردا من الموارد المالية، فهذه الدولة التي أملت عليها الظروف التاريخية أن تحتضن على أراضيها منطقة محايدة منزوعة السلاح، يطلق عليها “دي أم زي”، تغلبت على وجهها السلبي وجانبها المأسوي وجمّلته، وجعلته ورقة من أوراق دليلها السياحي لكل من يقصد هذه المنطقة الرمادية بلغة الألوان والمنطق معا، فلدى وقوف “الشروق” بهذه المنطقة، تأكدنا أنها فعلا منطقة رمادية، فهي منطقة خارج حكم كوريا الجنوبية ولا هي تابعة للشمالية، فهي حزام أمني بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، يمنع وجود السلاح فيها باتفاق مشترك بين حكومتي البلدين، هذه المنطقة التي أنشئت في جويلية 1953 برعاية الأمم المتحدة عند إعلان وقف إطلاق النار. إذ لدى وجودنا هناك وقفنا عند منع تواجد المدنيين فيها إلا بإذن خاص ومسبق. وعلى طول المنطقة البالغ 250 كلم وعرض 4 كلم يمنع منعا باتا وجود قطعة سلاح، بما فيها على القوات العسكرية المشتركة التي تجمع قوات من الكوريتين والأمم المتحدة لتكون أكثر المناطق حشدا للعسكريين. ورغم التواجد العسكري المكثف في هذه المنطقة، إلا أن ذلك لم يحل دون الإستثمار في هذه المنطقة، التي رخّص لها أن تصبح منطقة سياحية تروي لزائريها والوافدين إليها حصريا عبر بوابة كوريا الجنوبية، قصة نفق ومؤامرة محاولة اختراق سيول من قبل حكام كوريا الشمالية، وهو القرار الذي أثارإمتعاض و احتجاج هذه الأخيرة .
إبن المزارع الذي صنع اقتصاد دولة
عندما نتحدث عن كورية الجنوبية في الجزائر، فالأكيد أن تفكيرنا يذهب مباشرة إلى هيونداي وسامسونغ، التي تمكنت بفضلهما إلى جانب 5 قطاعات اقتصادية أخرى أن تنتزع لها مكانا في نادي الكبار، حكاية هذاالرجل مع عالم الاقتصاد أصبحت ملازمة لقصة دخول هذه الدولة مصاف الكبار أشبه بالخيال، فشونغ جو يونغ، إبن المزارع الفقير الذي ترك قريته واتجه حاملا أحلامه إلى سيول قلب موازين دولة، وإن كان حذاؤه الموجود بمعرض مجمع هيونداي يشهد على خمس سنوات من الإدخار والتقشف، فكل كوري كبير وصغير يحفظ قصة عامل كانت بدايته بناء في الورش وحمل الحجارة ونقل الطين.
عانى شونغ جو، من صعوبة تأمين لقمة العيش وأعطته هذه البداية دافعا ليقوي قدراته الشخصية ويكتسب صبرا وعزيمة على تحسين وضعه المهني والإجتماعي.. كان شخصا إيجابيا إلى أبعد الحدود، ويأخذ الأمور بمسؤولية وجدية كبيرتين. وفر مبلغا من المال من عمله، وهو لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره بعد عمل في ورشة لتصليح السيارات والشاحنات العسكرية، وتعلم هذه الصنعة واستمر فيها، وبعد 5 سنوات من انتهاء الحرب إفتتح شونغ جو يونغ ورشة لتصليح السيارات، وبعدها بسنة أسس إبن المزارع الذي لم يطرق باب المعاهد والجامعات شركة للهندسة أسماها “هونداي “ تعني” الوقت الحاضر”.
حققت الشركة نجاحا كبيرا وتشغّل اليوم أكبر عدد من العاملين، كانت أول شركة تفوز بعقود خارجية لبناء مشروعات خارج كوريا الجنوبية، ما أعطاها مكانة خاصة بين الشركات الأخرى وأرسى قواعدها وبنيتها الأساسية، كما أسهمت في عملية البناء والاعمار بعد الحرب بين الكوريتين. زيارتنا لمجمع هيونداي لتركيب السيارات بكوريا، أثبتت نظرية المبادرة وتأثيرها في صناعة التاريخ، فحب الرجل للمغامرة لدرجة المقامرة، كان سببا أساسيا للنظر إلى خارج حدود كوريا والتوجه إلى بلاد لا يعرفها ليسوّق خدماته.
ذهب بمشاريعه إلى مناطق محفوفة بالخطر، وفي ظروف طبيعية صعبة كغابات جنوب شرقي آسيا والاسكا، ورغم أن شركته كانت عائلية أممها ووهبها لبلده، الأمر الذي أصبح لا يختلف فيه إثنان من الكوريين أنهم مدينون بالكثير، وهي شهادات كثيرة كرّرها العديد على مسامعنا، أن كوريا الجنوبية مدينة لهذاالرجل في بناء البنية التحتية لكوريا من جسور وطرقات ومصانع للطاقة النووية، وغيرها من المرافق الحياتية الأساسية الهامة.
البعيد عن كوريا الجنوبية لا يستطيع أن يفسر الفوارق التي جعلتها تفر بجلدها من المآسي التي تعيشها كوريا الشمالية، غير أن الزائر لها يكتشف قصة إبن المزارع الذي أغدق بفضل طموحه الجموح على دولة بأكملها فجعلها تطرق باب الدول المتقدمة.